خطب الجمعة

خُطْبَةُ الْجُمُعَة: لَيْلَةُ الْقَدْر

لَقَدْ أَدْرَكْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ اَلْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان. ‏وَإِحْدَى لَيَالِي هَذِهِ الْأَيَّامِ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْر، اَلَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا‏: ﴿‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ  لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.[1]

خُطْبَةُ الْجُمُعَة – مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ فِي رَمَضَان

هَا نَحْنُ قَدْ بَلَغْنَا مُنْتَصَفَ رَمَضَان. مُنْتَصَفَ الشَّهْرِ الْمُبَارَك، اَلَّذِي أَوَّلُهُ ‏رَحْمَة، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَة، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّار. وَقَدِ اسْتَغْلَلْنَا نَفَحَاتِ هَذَا ‏الشَّهْرِ وَسَكِينَتَهُ فِي التَّرْكِيزِ عَلَى تَزْكِيَةِ نُفُوسِنَا. تَوَسَّلْنَا بِبَرَكَةِ هَذَا الشَّهْرِ إِلَى ‏اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَنَا ذُنُوبَنَا وَيَصْفَحَ عَنَّا صَفْحَهُ الْجَمِيل. وَلَجَأْنَا إِلَيْهِ ‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا وَفَّقَنَا إِلَيْهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَات. وَنَحْنُ مَعَاشِرَ ‏الْمُؤْمِنِينَ مُوقِنُونَ حَقَّ الْيَقِينِ، بِأَنْ لَا مَلْجَأَ لَنَا وَلَا مَنْجَى مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْه. ‏قَالَ تَعَالَى: ﴿‏وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾.[1] فَاللَّهُ كَافٍ عَبْدَهُ مَتَى الْتَجَأَ إِلَيْه. وَحَاشَاهُ أَنْ يَرُدَّ عَبْدًا جَاءَ يَطْرُقُ بَابَه. ‏وَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ لِلْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ، غَيْرَ اللُّجُوءِ إِلَى الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ‏وَالسَّيْرِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي رَسَمَهُ لَنَا؟

خُطْبَةُ الْجُمُعَة: اَلزَّكَاة، ذُرْوَةُ التَّكَافُلِ الْاِجْتِمَاعِيّ

لَقَدْ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى أَرْكَانٍ خَمْس. وَمِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ إِيْتَاءُ الزَّكَاة. ‏وَالزَّكَاةُ عِبَادَةٌ تُؤَدَّى لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْصَبُّ فِي صَالِحِ الْمُجْتَمَع. وَهِيَ وَاجِبَةٌ ‏عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ مَالِكٍ لِمِقْدَارِ النِّصَاب. قَالَ تَعَالَى‏: ﴿‏اِنَّ الَّذٖينَ اٰمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَاَقَامُوا الصَّلٰوةَ وَاٰتَوُا الزَّكٰوةَ ‏لَهُمْ اَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْۚ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.[1]

هَلْ نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ لِشَهْرِ رَمَضَان؟

إِنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ الْعَالَمِ يَتَطَلَّعُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِلَى اسْتِقْبَالِ شَهْرِ ‏رَمَضَانَ الْمُبَارَك. فَلَمْ يَبْقَ لِحُلُولِ هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ سِوَى سَاعَاتٍ ‏مَعْدُودَة. وَبِهَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَك، يَمْنَحُنَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فُرْصَةً عَزِيزَةً ‏لِنُحَاسِبَ فِيهِ أَنْفُسَنَا، وَلِنُصْلِحَ أَنْفُسَنَا، حَتَّى نَكُونَ أَهْلًا لِرَحْمَتِهِ ‏وَمَرْضَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمِمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ شَهْرُ رَمَضَانَ عَنْ سَائِرِ الشُّهُورِ ‏الْأُخْرَى، أَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي أُنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآن. قَالَ تَعَالَى‏: ﴿‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذٖٓي اُنْزِلَ فٖيهِ الْقُرْاٰنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ ‏الْهُدٰى وَالْفُرْقَانِۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.[1]

خُطْبَةُ الْجُمُعَة: اَلشُّعُورُ بِالْاِنْتِمَاءِ لَدَى الْمُسْلِم

إِنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْمَخْلُوقَاتِ، هُو الْكَائِنُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَتَمَتَّعُ ‏بِمَشَاعِرِ الْاِنْتِماءِ عَنْ وَعْيٍ مِنْهُ وَإِدْرَاك. حَتَّى إِنَّ أَيَّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ لَا ‏يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الشُّعُورَ بِالْاِنْتِمَاءِ إِلَى شَخْصٍ مَا أَوْ إِلَى أُسْرَةٍ أَوْ إِلَى ‏مُجْتَمَعٍ مُعَيَّن. وَأَمَّا الْمُسْلِمُ، فَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَيْضًا بِالْاِنْتِمَاءِ إِلَى ‏الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَبِأَنَّهُ جُزْءٌ لَا يَنْفَصِمُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة. وَيَتَمَحْوَرُ شُعُورُ ‏الْاِنْتِمَاءِ لَدَى الْمُسْلِمِ حَوْلَ وَلَائِهِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِين. وَهُوَ بِذَلِكَ ‏مَصُونٌ مِنْ أَنْ يَقَعَ ِفي الشُّعُورِ بِالْوَحْدَةِ، إِذْ قَدْ آمَنَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏: ﴿‏إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.[1] وَأَدْرَكَ أَنَّهُ يُشَكِّلُ مَعَ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْعَالَمِ وَحْدَةً وَاحِدَة.

خُطْبَةُ الْجُمُعَة – فَضِيلَةُ الصَّبْر

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ شَعَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ اَلصَّبْر. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ؐ: «‏مَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ ‏الصَّبْر».[1] وَلَيْسَ مَعْنَى الصَّبْرِ أَنْ تُذْعِنَ لِلْبَلَاءِ وَالْمُصِيبَةِ فَتَسْتَسْلِمَ لَهَا. بَلْ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَصْمُدَ أمَامَ الْمَصَائِبِ وَالْاِبْتِلَاءَاتِ الَّتِي ‏يُوَاجِهُهَا. فَالصَّبْرُ هُوَ الثَّبَاتُ أَمَامَ هَذِهِ الْأُمُورِ لِلتَّغَلُّبِ عَلَيْهَا بِإِذْنِ اللَّه.‏

لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان

إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمُبَارَكَ قَدْ أَطَلَّ عَلَيْنَا بِظِلَالِهَا. وَسَتَكُونُ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ ‏الْقَادِمِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتُسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةُ ‏الْمُبَشِّرَةُ بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِلَيْلَةِ الْبَرَاءَةِ أَيْضًا، إِشَارَةً إِلَى التَّبَرُّؤِ مِنَ ‏الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، لِمَا وَرَدَ مِنْ سَعَةِ عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ سُبْحَانَهُ ‏وَتَعَالَى فِي هَذِهِ اللَّيْلَة. ‏

اَلْحَيَاءُ زِينَةُ الْمُسْلِم

لَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَصَصًا كَثِيرَةً لِلْأَقْوَامِ وَالْأَنْبِيَاءِ ‏السَّابِقِين. قَالَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلّ‏: ﴿‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. وَالْمَقْصِدُ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ الْقِصَصِ هُوَ أَنْ نَعْتَبِرَ وَنَسْتَخْرِجَ مِنْهَا الدُّرُوسَ ‏وَالْعِبَر، بِأَنْ نَرَى الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا فِي هَلَاكِ تِلْكَ الْأَقْوَامِ فَنَتَجَنَّبَهَا، ‏وَنَرَى الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا فِي فَلَاحِهِمْ فَنَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيهَا.

يْلَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاج

فِي الْعَامِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ بِعْثَةِ النَّبِيِّ ؐ وَقَعَتْ حَادِثَةُ الْإِسْرَاءِ ‏وَالْمِعْرَاج. وَقَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَلَى هَذِهِ الْمُعْجِزَة، اَلَّتِي حَدَثَتْ ‏قُبَيْلَ هِجْرَتِهِ ؐ إِلَى الْمَدِينَة، وَقَال تَبَارَك وَتَعَالَى‏: ﴿‏سُبْحَانَ الَّـذٖٓي اَسْرٰى بِعَبْدِهٖ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ اِلَى الْمَسْجِدِ ‏الْاَقْصَا الَّذٖي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ اٰيَاتِنَاؕ اِنَّهُ هُوَ السَّمٖيعُ الْبَصٖيرُ‏﴾.[1]  

مَظَاهِرُ الْعُنْصُرِيَّةِ الْعُدْوَانِيَّة

إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَائِبِ الَّتِي ابْتُلِيَتْ بِهِ الْبَشَرِيَّةُ؛ اَلْعُنْصُرِيَّة. أَنْ يَحْمِلَ ‏الْإِنْسَانُ تِجَاهَ أَخِيهِ الْإِنْسَانِ عَدَاوَةً لَا مُبَرِّرَ لَهَا سِوَى أَنَّهُ مِنْ عِرْقٍ آخَر. ‏وَلَيْسَ هَذَا مَوْقِفًا عَدَائِيَّا ضِدَّ الْإِنْسَانِ فَحَسْب، بَلْ هُوَ اعْتِرَاضٌ عَلَى رَبِّ ‏الْعَالَمِين، سَبَبُهُ عَدَمُ الرِّضَى بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالْاِخْتِلَافِ الَّذِي خَلَقَ ‏النَّاسَ عَلَيْهَا.

اَلْاِسْتِقَامَةُ فِي الْحَيَاةِ بِذِكْرِ الْمَوْت

إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْحَقَائِقِ الْمُهَيْمِنَةِ عَلَى هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ‏بَنِي آدَمَ سَيُوَاجِهُ الْمَوْتَ، وَسَيَرْحَلُ عَنْ هَذِهِ الْحَيَاة. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.[1] فَالْمَوْتُ حَقِيقَةٌ لَا مَنَاصَ لِأَحَدٍ مِنْه. قَالَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى‏: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏﴾.[2] 

حَقُّ الْجَارِ ِفي الْإِسْلَام

إِنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي وَضَعَهَا الْإِسْلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْجَارِ، تُعْتَبَرُ مِنْ ‏أَهَمِّ الْمَبَادِئِ الَّتِي تَكْفُلُ السَّعَادَةَ وَالسَّلَامَ فِي الْمُجْتَمَع. وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ ‏الَّتِي تَضْمَنُ التَّعَايُشَ بَيْنَ أُنَاسٍ مِنْ أَدْيَانٍ وَأَعْرَاقٍ وَأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ‏أَصْبَحَتْ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ تُشَكِّلُ نَمَطَ حَيَاةٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِين. وَقَدْ ‏أَوْصَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِحُقُوقِ الْجَارِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى‏: ﴿وَاعْبُدُوا اللّٰهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهٖ شَيْـٔاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبٰى ‏وَالْيَتَامٰى وَالْمَسَاكٖينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبٰى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ ‏بِالْجَنْبِ‏﴾.