خطب الجمعة

بناء الأخلاق القرآنية

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام، إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِتَابٍ يُبَيِّنُ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ هَدْيٌ إِلَهِيٌّ يَهْتَمُّ بِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُجْتَمَعِ، وَالْحَيَاةِ عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ. فَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ لِيُنْشِئَ إِنْسَانًا مُؤْمِنًا صَالِحًا، سَلِيمَ الْفِكْرِ صَالِحَ السُّلُوكِ، وَيُكَوِّنَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادِ مُجْتَمَعًا صَالِحًا، وَأنَّ هَذَا الْبِنَاءَ الْأَخْلَاقِيَّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ الْقُرْآنُ يَقُومُ عَلَى أُسُسٍ رَاسِخَةٍ وَثَوَابِتَ قَوِيَّةٍ.

العيش مع القرآن

الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، كِتَابُ اللَّهِ أُنْزِلَ هِدَايَةً وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، يُرْشِدُنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَيُبْعِدُنَا عَنِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ. فَإِذَا أَقْبَلَ الْعَبْدُ عَلَى الْقُرْآنِ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ، مُتَأَمِّلًا فِي مَعَانِيهِ، بَاحِثًا عَنِ الْحَقِّ، وَجَدَ فِيهِ مَا يُحْيِي قَلْبَهُ، وَيَشْرَحُ صَدْرَهُ، وَيَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَٓا اَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَٓاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَٓاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

أن تعيش حياتك كلها كما لو كانت رمضان

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنَا رَمَضَانَ، وَأَعَانَنَا عَلَى الصِّيَامِ وَالْعِبَادَةِ، وَبَلَّغَنَا عِيدَ الْفِطْرِ الْمُبَارَكِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَقَبَّلَ صِيَامَنَا، وَقِيَامَنَا، وَدُعَاءَنَا، وَاسْتِغْفَارَنَا، وَصَدَقَاتِنَا، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ يَهْتَدُونَ بِنُورِ الْقُرْآنِ، وَيَبْتَعِدُونَ عَنِ الْمَعَاصِي بِالصَّلَاةِ، وَيَصْبِرُونَ بِالصِّيَامِ، وَيُطَهِّرُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

 أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام، فِي هَذَا اَلْعَامِ- بِإِذْنِ اَللَّهِ- سَنَبْلُغُ لَيْلَةَ اَلْقَدَرِ لَيْلَةَ اَلْإِثْنَيْنِ اَلسَّادِسِ عَشَرَ مَارِس. وَبِهَذِهِ اَلْمُنَاسَبَةِ اَلْمُبَارَكَةِ نُهَنِّئُكُمْ جَمِيعًا بِقُدُومِ هَذِهِ اَللَّيْلَةِ اَلْمُبَارَكَةِ، وَنَدْعُو جَمِيعَ إِخْوَانِنَا إِلَى مَسَاجِدِنَا لِنُحْيِيَ مَعًا لَيْلَةَ اَلْقَدَرِ. لَيْلَةُ اَلْقَدَرِ لَيْلَةٌ عَظِيمَةٌ اَلشَّأْنِ، فَهِيَ خَيْرُ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، لَيْلَةٌ تَتَنَزَّلُ فِيهَا اَلرَّحَمَاتُ، وَتُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ اَلْمَغْفِرَةِ، وَيَقْتَرِبُ فِيهَا اَلْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ آخَر. إِنَّهَا لَيْلَةٌ نَزَلَ فِيهَا اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيمُ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهَا اَلْمَلَائِكَةُ، وَتَغْمُرُ اَلْقُلُوبُ بِنُورِ اَلْإِيمَانِ وَالسَّكِينَةِ. وَقَدْ أَخْبَرَنَا اَللَّهُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِ هَذِهِ اَللَّيْلَةِ فَقَالَ: ﴿اِنَّٓا اَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِۚ ﴿١﴾ وَمَٓا اَدْرٰيكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِؕ ﴿٢﴾ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ اَلْفِ شَهْرٍؕ ﴿٣﴾﴾. هَذِهِ اَلْآيَاتُ اَلْكَرِيمَةُ لَا تُبَيِّنُ لَنَا فَقَطْ أَهَمِّيَّةَ هَذِهِ اَللَّيْلَةِ، بَلْ تُذَكِّرُنَا أَيْضًا بِعَظَمَةِ اَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ، اَلَّذِي أُنْزِلَ هِدَايَةً لِلْبَشَرِيَّةِ وَنُورَا لِلْقُلُوبِ. فَلَيْلَةُ اَلْقَدَرِ هِيَ اَللَّحْظَةُ اَلَّتِي نَزَلَ فِيهَا اَلْقُرْآنُ مِنْ اَلسَّمَاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ، لِتَبْدَأ مَعَهَا رِسَالَةَ اَلْهِدَايَةِ وَالنُّورِ لِلْبَشَرِ أَجْمَعِينَ.

الزكاة، والفدية، والإنفاق

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام، إِنَّ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ بِاللِّسَانِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ عَقِيدَةٌ رَاسِخَةٌ فِي الْقَلْبِ، يُصَدِّقُهَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَتُزَكِّيهَا الْأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ. فَالْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ جَنَاحَانِ مُتَلَازِمَانِ، يُقَوِّي أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا يَسْتَقِيمُ حَالُ الْعَبْدِ إِلَّا بِهِمَا مَعًا. إِنَّ الْمُسْلِمَ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَسْبَ الْحَلَالَ وَالْإِنْفَاقَ الْحَلَالَ عِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ، لَكِنَّهُ يُدْرِكُ كَذَلِكَ أَنَّ مَالَهُ لَيْسَ مِلْكًا خَالِصًا لَهُ، بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، حِينَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ اَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اٰمَنَ بِاللّٰهِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَالْمَلٰٓئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيّٖنَۚ وَاٰتَى الْمَالَ عَلٰى حُبِّهٖ ذَوِى الْقُرْبٰى وَالْيَتَامٰى وَالْمَسَاكٖينَ وَابْنَ السَّبٖيلِ وَالسَّٓائِلٖينَ وَفِى الرِّقَابِۚ وَاَقَامَ الصَّلٰوةَ وَاٰتَى الزَّكٰوةَۚؕ﴾.

التقوى

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكَ الْمِلْك أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِالْإيمَانِ، وَجَعَلَ الْقُرْانَ الْكَرِيمَ نُورَ حَيَاتِنَا. وَمِنْ أَكْثَرِ الْمَفَاهِيمِ الَّتِي أَكَّدَ عَلَيْهَا الْقُرْانُ مَفْهُومُ التَّقْوَى. فَالتَّقْوَى هِيَ الْمِيزَانُ الَّذِي يُنَظِّمُ عَلَاقَةَ الْمُؤْمِن بِرَبِّه، وَبِالنَّاس، وَالْمُجْتَمَع. وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ التَّفَاضُلَّ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَكُونُ بِالْمَنْصِب وَلَا بِالنَّسَبِ، بَلْ بِالتَّقْوَى. فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ اَتْقٰيكُمْؕ﴾

التطور العاطفي والنقاء الروحي

Verehrte Muslime! Seit gestern dürfen wir den gesegneten Monat Ramadan erleben. Dieser Monat ist eine einzigartige Gelegenheit, unser Herz zu erziehen und uns innerlich zu reinigen. In diesem Monat erinnern wir uns daran, dass der wahre Wert des Menschen nicht an Reichtum, Stellung oder dem Äußeren gemessen wird, sondern an der Reinheit und Aufrichtigkeit seines Herzens. Unser Prophet (s) hat diese...

الوعي والنية في رمضان

نَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ اسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ؛ شَهْرِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ. يَوْمَ الْخَمِيسِ الْقَادِمِ سَنَبْدَأُ صِيَامَ أَوَّلِ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِإِذْنِ اللَّهِ، سَائِلِينَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَلِّغَنَا وَإِيَّاكُمْ فَضْلَ

قوة التوبة

إِنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَفِي حَيَاتِهِ قَدْ يَقَعُ فِي الْغَفْلَةِ وَالْخَطَأِ وَيَعْصِي اللَّهَ. لَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ عَظِيمَةٌ وَهِيَ التَّوْبَةُ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿فَتَلَقّٰٓى اٰدَمُ مِنْ رَبِّه۪ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِۜ اِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّح۪يمُ﴾

شَهْرُ شَعْبَانَ وَلَيْلَةُ الْبَرَاءَةِ: فُرَصٌ لِلْمَغْفِرَةِ وَالتَّطَهُّرِ الرُّوحِيِّ

إِنَّ شَهْرَ شَعْبَانَ الْمُبَارَكَ يُهَيِّئُ قُلُوبَنَا لِاسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ. وَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَرْحَلَةٍ انْتِقَالِيَّةٍ لِبُلُوغِ شَهْرِ رَمَضَانَ، بَلْ هُوَ شَهْرٌ لِمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ، وَلِتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنْ الْغَفْلَةِ وَالتَّقْصِيرِ. وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ تَتَجَلَّى فِيهَا مَعَانِي التَّوْبَةِ، وَيَسْتَغْفِرُ الْعَبْدُ فِيهَا رَبَّهُ وَيَرْجِعُ إِلَيْهِ. وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ الْمُبَارَكَةِ نُهَنِّئُكُمْ بِلَيْلَةِ الاثنين الْمُوَافِقِ الثَّانِي مِنْ فِبْرَايِرَ سَائِلِينَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهَا لَيْلَةَ خَيْرٍ وَرَحْمَةٍ.

الأمانة والجدارة بالثقة

إِنَّ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ خُلُقَانِ عَظِيمَانِ يَقُومُ عَلَيْهِمَا صَلَاحُ الْفَرْدِ وَاسْتِقْرَارُ الْمُجْتَمَعِ. فَالْإِنْسَانُ الصَّادِقُ يَكُونُ قَلْبُهُ مُطْمئِنًا، سَاكِنَ النَّفْسِ، لَا يَحْمِلُ هَمَّ الْكَذِبِ، وَلَا يَعِيشُ فِي خَوْفِ أَنْ يَنْكَشِفَ كَذِبُهُ. وَأَمَّا الْإِنْسَانُ الْأَمِينُ، فَأَيْنَمَا كَانَ حَلَّ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ؛ فَتَقَوَّى رَوَابِطُ الْأُسْرَةِ، وَتَكُونُ الْمَوَدَّةُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَحُلُّ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتِّجَارَةِ. وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِالصِّدْقِ فَقَالَ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصِّدْقَ لَيْسَ خُلُقًا فَرْدِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ خُلُقٌ يَقُومُ عَلَيْهِ بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ.

حقوق العبد والتوازن الاجتماعي

إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقِيَمِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ حِفْظَ حُقُوقِ الْعِبَادِ. لَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مُرَاعَاةَ وَاحْتِرَامَ حُقُوقِ الْعِبَادِ يُعَدّ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَة بِخَلْقِ اللَّهِ. لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَرَّمَ الْإِنْسَانَ وَجَعَلَ لِمَالِه، وَنَفْسِهِ، وَكَرَامَتِهِ حُرْمَةً لَا يَجُوزُ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهَا. وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَلَا تَاْكُلُٓوا اَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَلَمْ يَقْتَصِرْ النَّهْيُ عَلَى الظُّلْمِ الْمَادِّيَّ فَقَطْ، بَلْ شَمِلَ كُلَّ تَعَدٍّ وَظُلْمٍ يَقَعُ عَلَى الْإِنْسَانِ. لِلظُّلْم صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمِنْ أَشَدِّهَا عِنْدَ اللَّهِ الِاعْتِدَاءُ