Homeالإرشادالتَّعَاطُفُ وَالسَّلَامُ الِاجْتِمَاعِيُّ

التَّعَاطُفُ وَالسَّلَامُ الِاجْتِمَاعِيُّ

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ مِنْ أَجْمَلِ أَسْمَاءِ دِينِنَا الْحَنِيفِ الْإِسْلَامِ، اسْمُ “السَّلَامِ”، يَدْعُو اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، أَيْ دَارِ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَظِّمُ عَلَاقَةَ الْإِنْسَانِ بِرَبِّهِ فَحَسْبُ، بَلْ يَبْنِي عَلَاقَتَهُ بِأُسْرَتِهِ وَجِيرَانِهِ وَمُجْتَمَعِهِ كُلِّهِ عَلَى أُسُسِ السَّكِينَةِ وَالْأَمَانِ. لَا يَتَحَقَّقُ السَّلَامُ الْحَقِيقِيُّ بِمُجَرَّدِ تَوَقُّفِ الْأَسْلِحَةِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ السَّلَامُ عِنْدَمَا تَتَطَهَّرُ الْقُلُوبُ مِنَ الْحِقْدِ وَالْكَرَاهِيَةِ، وَيَأْمَنُ فِيهِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَسُودُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، وَتَكُونُ الرَّحْمَةُ أَسَاسًا لِلْحَيَاةِ.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

‎ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:‎ ﴿اِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ فَاَصْلِحُوا بَيْنَ اَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ۟﴾. وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوٰىۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْاِثْمِ وَالْعُدْوَانِۖ وَاتَّقُوا اللّٰهَۜ اِنَّ اللّٰهَ شَدٖيدُ الْعِقَابِ﴾ ‎ إِنَّ هَذَا النِّدَاءَ الْإِلَهِيَّ يُحَمِّلُنَا مَسْؤُولِيَّةَ فِعْلِ الْخَيْرِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ، وَنَشْرِ الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ.

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

‎ إِنَّنَا نَعِيشُ فِي عَصْرٍ أَصْبَحَ فِيهِ التَّوَاصُلُ بَيْنَ النَّاسِ أَسْهَلَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، إِلَّا أَنَّ فَهْمَ بَعْضِنَا بَعْضًا بَاتَ أَصْعَبَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ. فَأَصْبَحَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ لَا يُنْصِتُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَجِيرَانٌ يَعِيشُونَ مُتَجَاوِرِينَ وَلَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمُ الْآخَرَ، وَأُنَاسٌ يَخْتَلِفُونَ فِي الْآرَاءِ، فَيَنْفِرُونَ مِنْ بَعْضِهِم الْبَعْضِ بَدَلًا مِنْ مُحَاوَلَةِ الْفَهْمِ وَالْحِوَارِ. وَبِبَعْضِ الْكَلِمَاتِ قَدْ يُحَرَّضُ النَّاسُ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَتُصْبِحُ لُغَةُ الْغَضَبِ أَمْرًا مَأْلُوفًا، وَيَزْدَادُ الِانْقِسَامُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النِّزَاعَاتِ الْكَبِيرَةِ تَبْدَأُ بِخِلَافَاتٍ صَغِيرَةٍ، لَوْ عُولِجَتْ فِي وَقْتِهَا لَمَا تَطَوَّرَتْ إِلَى خُصُومَاتٍ وَعَدَاوَاتٍ.

 وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ التَّعَاطُفِ وَالشُّعُورِ بِالْآخَرِ؛ فَالتَّعَاطُفُ هُوَ أَنْ نَضَعَ أَنْفُسَنَا مَكَانَ غَيْرِنَا، وَأَنْ نُشَارِكَهُمْ أَفْرَاحَهُمْ، وَنَشْعُرَ بِآلَامِهِمْ، وَنُحَاوِلَ فَهْمَ مَا يَمُرُّونَ بِهِ مِنْ ظُرُوفٍ وَمَشَاعِرَ. وَلَيْسَ التَّعَاطُفُ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى نُضْجِ الْإِيمَانِ وَرُقِيِّ الْأَخْلَاقِ. فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَشْعُرُ بِآلَامِ الْآخَرِينَ، وَيَحْرِصُ عَلَى عَدَمِ إِيذَائِهِمْ، إِنَّمَا يُظْهِرُ بِذَلِكَ إِنْسَانِيَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ. وَلَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يُعَامِلَ الْآخَرِينَ بِالْعَدْلِ مَا لَمْ يُحَاوِلْ فَهْمَهُمْ، أَمَّا مَنْ يُصْدِرُ أَحْكَامَهُ دُونَ أَنْ يَفْهَمَ أَحْوَالَ النَّاسِ، فَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي الظُّلْمِ.

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‎«لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». ‎وقَالَ ﷺ: ‎«مَنْ لا يَرْحَمْ الناسَ، لا يَرْحَمْهُ اللهُ عزَّ وجلَّ». ‎ لَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ خَيْرَ قُدْوَةٍ فِي الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ، حَتَّى مَعَ مَنْ أَسَاءُوا إِلَيْهِ، فَقَدَّمَ لَنَا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْعَفْوِ، وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، وَالتَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ بِالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالسَّعْيِ إِلَى فَهْمِهِمْ بَدَلًا مِنْ مُقَابَلَتِهِمْ بِالْإِسَاءَةِ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ تُجَاهَ الْمُجْتَمَعِ لَيْسَتْ وَاجِبًا يَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الْحُكَّامِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ وَحْدَهُمْ، بَلْ إِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَسْؤُولٌ عَنْ نَشْرِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْإِصْلَاحِ فِي مُحِيطِهِ. فَالْكَلِمَاتُ الَّتِي نَتَحَدَّثُ بِهَا مَعَ أَزْوَاجِنَا وَأَبْنَائِنَا دَاخِلَ بُيُوتِنَا، وَحِرْصُنَا عَلَى حُقُوقِ جِيرَانِنَا، وَاحْتِرَامُنَا لِكِبَارِ السِّنِّ، وَدَعْمُنَا لِلشَّبَابِ، وَمَدُّ يَدِ الْعَوْنِ إِلَى الْيَتِيمِ، وَمُحَافَظَتُنَا عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا دِينُنَا الْحَنِيفُ.

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

إِنَّ الْعَالَمَ لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى اقْتِصَادٍ قَوِيٍّ، بَلْ بِحَاجَةٍ إِلَى ضَمَائِرَ حَيَّةٍ، وَإِلَى أَخْلَاقٍ رَاقِيَةٍ قَبْلَ حَاجَتِهِ إِلَى التِّكْنُولُوجِيَا الْمُتَطَوِّرَةِ، وَإِلَى أُنَاسٍ يُحْسِنُونَ الِاسْتِمَاعَ إِلَى بَعْضِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى أُنَاسٍ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ. فَلْنَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ السَّلَامَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَبْدَأُ بِمُحَاوَلَةِ تَغْيِيرِ الْآخَرِينَ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِإِصْلَاحِ قُلُوبِنَا، وَتَزْكِيَتِهَا بِالرَّحْمَةِ، وَالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ. فَالتَّعَاطُفُ الَّذِي نَغْرِسُهُ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ يَمْتَدُّ أَثَرُهُ إِلَى الْحَيِّ، وَالثِّقَةُ الَّتِي نَبْنِيهَا فِي أَحْيَائِنَا تَتَحَوَّلُ إِلَى أَمَانٍ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي تَسُودُ الْمُجْتَمَعَ تَبْعَثُ الْأَمَلَ فِي نُفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.

‎ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُصْلِحُونَ وَلَا يُفْسِدُونَ، وَيَزْرَعُونَ الْمَحَبَّةَ وَلَا يَنْشُرُونَ الْبَغْضَاءَ، وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَلَا يُفَرِّقُونَهَا.

Teilen

Schwerpunkt

Weitere Beiträge