خطب الجمعة

إحياء الأشهر الثلاثة وليلة الرّغائب

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ، فَاخْتَصَّ المَخْلُوقَاتِ بِأَوْصَافٍ مُخْتَلِفَةٍ وَقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا. فَجَعَلَ الإِنْسَانَ أَشْرَفَ المَخْلُوقَاتِ، وَجَعَلَ الكَعْبَةَ المُعَظَّمَةَ أَفْضَلَ الأَمَاكِنِ وَأَعْظَمَهَا. وَاخْتَصَّ الحَقُّ تَعَالَى الأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ – وَهِيَ رَجَبُ، وَشَعْبَانُ، وَرَمَضَانُ – بِفَضَائِلَ كَثِيرَة. تَبْدَأُ الأَشْهُرُ الثَّلَاثَةُ بِلَيْلَةِ الرَّغَائِبِ فِي بِدَايَةِ رَجَبَ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى لَيْلَةِ المِعْرَاجِ وَلَيْلَةِ البَرَاءَةِ حَتَّى نَصِلَ إِلَى لَيْلَةِ القَدْرِ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَان. وَإِنَّا قَدِ اقْتَرَبْنَا إِلَى ذٰلِكَ المُوْسِمِ المُبَارَك.

فساد الحرب

إِنَّ الْبَشَرِيَّةَ تَقَدَّمَتْ كَثِيرًا فِي مَجَالِ التَّكْنُلُوجِيَا وَالْعِلْمِ، مُقَارَنَةً بِحَالِهَا فِي الْعُصُورِ السَّابِقَة. وَبِتَطَوُّرِ وَسَائِلِ التَّنَقُّلِ أَصْبَحْنَا نَقْطَعُ مَسِيرَةَ الشُّهُورِ فِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَة. وَقَدْ وَطِئَتْ قَدَمُ الْإِنْسَانِ وَجْهَ الْقَمَرِ، وَأَرْسَلَتْ مَرَاكِبُ إِلَى كَوَاكِبَ أُخْرَى. وَكَذَلِكَ شَهِدَتِ الْبَشَرِيَّةُ فِي مَجَالِ الطِّبِّ تَقَدُّمًا كَبِيرًا، مِنْ زِرَاعَةِ الْأَعْضَاءِ إِلَى تَحْلِيلِ الْجِينَاتِ. وَالشُّعُوبُ - عَلَى اخْتِلَاَفِ ثَقَافَاتِهِمْ وَحَضَاَرَاتِهِمْ - نَالَتْ بِفُرْصَةِ التَّعَارُفِ وَالتَّقَارُبِ بِاخْتِرَاعِ وَسَائِلِ التَّوَاصُل. وَمَا لَمْ يَكُنْ مُتَخَيَّلاً قَبْلَ مِئَةِ عَامٍ، أَصْبَحَ النَّاسُ لَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ اليوم، وَيَرَوْنَهَا حوَادِثَ يَوْمِيَّةً عَادِيَّة.

أحبّ الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قلّ

إِنَّ لِلْعِبَادَةِ دَوْرًا مُهِمًّا تَلْعَبُهُ فِي تَرْبِيَةِ الْإِنْسَانِ وَتَنْمِيَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ نَعْمَلُهُ اِبْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى يُحْسَبُ عِبَادَةً وَيُؤَثِّرُ بِالْإِيجَابِ فِي تَنْمِيَتِنَا الشَّخْصِيَّةِ. وَمُدَاوَمَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تُنَظِّمِ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِقِهِ، سَتَنْعَكِسُ آثَارُهَا حَتْمًا عَلَى عَلَاقَتِهِ بِالْمُجْتَمَعِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ،وَعَلَاقَتِهِ بِالْعَالَمِ عُمُومًا، وَسَتُحَسِّنُ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ وَتُصَحِّحُهَا. وَهَذِهِ الْحَالُ سَتُلَاحِقُ الْإِنْسَانَ طِوَالَ حَيَاتِهِ مَا دَامَ مُوَاظِبًا عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَا يُفَارِقُهَا. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[2] وَيَأْمُرُنَا بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى عِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وَالثَّبَّاتِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ حَتَّى يُوْفِيَنَا الْأَجَلُ.

التَّوْبَةُ مُطَهِّرَةٌ لِلْقَلْب

إِنَّ مَعْنَى كَلِمَةُ التَّوْبَةِ: أَنْ يَرْجِعَ الْإِنْسَانُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي إِلَى طَاعَةِ اللَّه. وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم. لِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّور: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[1] فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا أَنْ يَتُوبَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَا فَلَاحَ دُونَ تَوْبَة. فَمَا هِيَ حَقِيقَةُ التَّوْبَة؟

عند دخولنا في عام ميلاديّ جديد

نَحْنُ عَلَى وَشَكِ الدُّخُولِ فِي عَامٍ مِيلَادَيٍّ جَدِيدٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ أعْظَمَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الزَّمَان. اَلزَّمَانُ مُدَّةٌ نَعِيشُ فِيهَا وَنَتَعَرَّفُ عَلَى وُجُودِهَا بِمُرُورِهَا. وَانْتِهَاءُ يَوْمٍ وَشَهْرٍ وَسَنَةٍ أَمْرٌ عَظِيمٌ بِلَا شَكّ. فَإِنَّ كُلَّ مَرْحَلَةٍ زَمَنِيَّةٍ تَمُرُّ بِنَا هِي وَرَقَةٌ تَقْطُفُ مِنْ صَفَحَاتِ عُمْرِ الْمُؤْمن. وَالْآنَ يَنْقُصُ مِنْ عُمَرِنَا سَنَةً أُخْرَى. أَكْبَرُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا هِي أَنَّهُ خَلَقَنَا مِنَ العَدَمِ وَإِنَّ إيمَانَنَا وَعِبَادَاتِنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِوُجُودِنَا. وَأعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى وُجُودِنَا، أَلَا وَهُوَ نِعْمَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي نُسَمِّيهَا الْعُمْر. أَكْرَمَ اللَّهُ إِيَّانَا بِعُمَرٍ فِيهَا الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ وَالْعَافِيَة.

اِعْتِقَادُنَا فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَم، وَالْعِبَرُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ قِصَّتِه

‏ لاَ بُدَّ عَلَيْنَا أَنْ نُصَحِّحَ مَعْلُومَاتِنَا عَنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَم، وَأَنْ ‏نُرَسِّخَ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ عَنْهُمْ فِي أَذْهَانِنَا جَيِّدًا. وَلَكِنْ لاَ نَنْسَى أَنَّ ‏الْهَدَفَ الْأَسَاسِيَّ مِنْ قِرَاءَةِ سِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَيَاتِهِمْ هُوَ ‏اِتِّبَاعُهُمْ فِي سِيَرِهِمُ الْحَمِيدَةِ وَالْاِقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي أَخْلاَقِهِمُ الْكَرِيمَة. ‏

لاَ شَكَّ أَنَّ مِنْ أَبْرَزِ خَصَائِصِ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ تَقْدِيرُهُ لِلْعَقْلِ وَالْعِلْمِ ‏وَالتَّعَلُّمِ وَالْبَحْثِ وَالتَّفَكُّر. وَكَثِيرًا مَا يَحُثُّ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى التَّفَكُّرِ ‏فِي مِثْلِ‏ قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.[1] ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾.[2] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.[3] ذَلِكَ أَنَّ دِيْنَ الْإِسْلاَمِ قَدْ جَاءَ لِيُخْرِجَ الْبَشَرِيَّةَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ إِلَى نُورِ ‏الْحَقِّ وَالْحَقِيقَة.

الْعُنْفُ الأُسْرِيّ

قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَاَمَّا الَّذٖينَ اٰمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفّٖيهِمْ اُجُورَهُمْ ط وَاللّٰهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمٖينَ﴾[1] فَــيُــنَــبِّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أهَمِّيَّةِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَأَنَّ جَزَاءَهَا سَيُوَفَّى يَوْمَ الْقِيَامَة. وَلَكِنَّهُ كَذَلِكَ يُحَذِّرُ فِي آخِرِ الْآيَةِ إِذْ نَحْنُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ إهْمَالِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَاللّٰهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمٖينَ﴾.

اَلْعَادَاتُ الْمُضِرَّة

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِنِعَمٍ كَثِيرَة. وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ تُعْتَبَرُ أَمَانَةً عِنْدَ الْعَبْدِ، يُسْأَلُ عَنْهَا وَيُحَاسَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَة. فَالْحَيَاةُ الَّتِي نَتَمَتَّعُ بِهَا أَمَانَة، وَالْأَمْوَالُ الَّتِي نَمْتَلِكُهَا أَمَانَة، وَصِحَّتُنَا وَأَوْلَادُنَا كُلُّ ذَلِكَ أَمَانَةٌ عِنْدَنَا. وَالْمُؤْمِنُونَ فَوْقَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَسْؤُولُونَ عَنْ بَعْض. وَأَهَمُّ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ نِعْمَتَا اَلْحَيَاةِ وَالصِّحَّة. فَإِنَّنَا لِكَيْ نَقْدِرَ عَلَى الْقِيَامِ بِوَاجِبِ الْعُبُودِيَّةِ تِجَاهَ رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، نَحْتَاجُ إِلَى بَدَنٍ صَحِيحٍ سَلِيْمٍ وَإِلَى رُوْحٍ صَافٍ.

الإنشاء بالإنفاق

إِنَّ اللّٰهَ (جَلَّ جَلَاَلُهُ) قَدْ خَاطَبَ النَّاسَ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَنْ طَرِيقِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. فَخِطَابُهُ الْمُقَدَّسُ هٰذَا يُعَلِّمُنَا الْإِيمَانَ، وَالْعِبَادَةَ، وَالْحُقُوقَ، وَالْأَخْلَاقَ، وَقَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأدْعِيَة. وَلَكِنَّ أَهَمَّ مَا يُمَيِّزُ الْقُرْآنَ هُوَ أَنَّهُ يُصَحِّحُ لَنَا مَفَاهِيمَنَا وَعَمَلَنَا.

الإيمان بالقدر والرضا به

الإِيمَانُ بِالقَدَرِ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَان. وَالقَدَرُ هُوَ عِلْمُ اللّٰهِ الأَزَلِيُّ بِكُلِّ الأُمُورِ مِنَ الأَزَلِ إِلٰى الأَبَدِ بِمَاهِيَتِهَا وَزَمَانِهَا وَمَكَانِهَا وَصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا وَتَقْدِيرُهُ بِنَاءً عَلَيْه. فَقَدَّرَ رَبُّنَا تَعَالٰى كُلَّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا وَيَدْخُلُ فِيهِ الإِنْسَانُ وَكُلُّ لَحْظَةِ حَيَاتِه. عَبَّرَ المَوْلٰى سُبْحَانَهُ وَتَعَالٰى عَنْ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ فِي سُورَةِ القَمَرِ بِقَوْلِهِ تَعَالٰى:﴿اِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾[1]

اَلْآنَ وَقْتُ التَّزَاوُر

لاَ شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَائِنٌ اِجْتِمَاعِيّ. وَلَنْ يَتَمَكَّنَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَنْ يَكْتَشِفَ كَامِلَ قُدُرَاتِهِ إلاَّ فِي مُجْتَمَعٍ مَسْعُودٍ قَائِمٍ عَلَى أُسُسٍ مَتِينَة. وَمِنْ أَهَمِّ أُسُسِ الْمُجْتَمَعِ السَّعِيد؛ اَلتَّضَامُنُ الْاِجْتِمَاعِيُّ وَالْاِتِّحَاد. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى الْاِحْتِيَاجِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ بَنِي جِنْسِه. وَيَبْرُزُ اِحْتِيَاجُهُ هَذَا حَتَّى فِي قَضَائِهِ لِحَاجَاتِهِ الْأَسَاسِيَّة