خطبة
مَكَانَةُ الْعِلْمِ وَالْعَالِمِ
24.09.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
إِنَّ تَعَلُّمَ أُسُسِ دِينِنَا وَمَعْرِفَةَ مَنْ يُعَلِّمُنَا إِيَّاهَا أَمْرٌ بَالِغٌ لِلْغَايَةِ بِلَا شَكٍّ. وَإِنَّ نَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ هُوَ الَّذِي عَلَّمَنَا حَقَائِقَ دِينِنَا كُلَّهَا.
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَدْعُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي يُعَلِّمُونَ النَّاسَ، فَقَالَ: «أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَسْأَلُونَ اللهَ تَعَالَى، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا»، ثُمَّ عَدَلَ إِلَيْهِمْ، وَجَلَسَ مَعَهُمْ. وَهَكَذَا بَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَيْنَا نَبِيًّا وَمُعَلِّمًا، لِيُعَلِّمَنَا دِينَنَا، وَيُعَرِّفَنَا حَقَائِقَهُ، وَيُرْشِدَنَا إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
إِنَّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ إِلَيْنَا الْيَوْمَ مِيرَاثَ الْعِلْمِ الَّذِي تَرَكَهُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، هُمْ عُلَمَاؤُنَا، وَمُعَلِّمُونَا، وَشُيُوخُنَا، وَأَهْلُ الْعِلْمِ، وَالْمَعْرِفَةِ. وَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَاﷺ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ؛ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ». فَالْعُلَمَاءُ لَيْسُوا مُجَرَّدَ أُنَاسٍ يَمْتَلِكُونَ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَإِنَّمَا هُمُ الَّذِينَ يُنِيرُونَ لِلنَّاسِ الطَّرِيقَ بِمَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، وَيُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصَّوَابِ وَالْخَطَإِ، وَيَكُونُونَ قُدْوَةً لَهُمْ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ. وَالْعَالِمُ يَنْقُلُ الْعِلْمَ وَالدِّينَ، فَيَحْمِي الْمُجْتَمَعَ مِنَ الْأَفْكَارِ الْخَاطِئَةِ وَالْمَفَاهِيمِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَيُسْهِمُ فِي إِيجَادِ الْحُلُولِ لِلْمُشْكِلَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ النَّاسَ، وَيَقُودُ الْأَجْيَالَ الْقَادِمَةَ إِلَى التَّرَبِّي عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ.
أَمَّا الْمُعَلِّمُ، فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُ بِيَدِ الطِّفْلِ، وَيُهَيِّئُهُ لِلْحَيَاةِ، وَيَكْتَشِفُ مَوَاهِبَهُ وَقُدُرَاتِهِ، وَيُسَاعِدُهُ عَلَى بِنَاءِ ثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ. فَمَا مِنْ إِنْسَانٍ أَصْبَحَ طَبِيبًا، أَوْ مُهَنْدِسًا، أَوْ إِمَامًا، أَوْ مَسْؤُولًا، أَوْ تَاجِرًا، أَوْ عَالِمًا، إِلَّا وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ طَالِبًا يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْ مُعَلِّمٍ أَوْ أُسْتَاذٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ هُوَ أَحَدُ أَهَمِّ مَنْ يُسْهِمُونَ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ وَصِنَاعَةِ أَجْيَالِهِ.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ دِينَنَا مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَوْثُوقَةِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَالْمُعَلِّمِينَ الْمُؤَهَّلِينَ وَأَهْلِ الِاخْتِصَاصِ. وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَسْـَٔلُٓوا اَهْلَ الذِّكْرِ اِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَۙ﴾. لَقَدْ أَصْبَحَ الْوُصُولُ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ فِي زَمَانِنَا سَهْلًا لِلْغَايَةِ، غَيْرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالْخَاطِئَةِ أَصْبَحَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَكْثَرَ صُعُوبَةً. فَمُشَاهَدَةُ بَعْضِ الْمَقَاطِعِ الْقَصِيرَةِ، أَوْ قِرَاءَةُ مَنْشُورَاتٍ مَجْهُولَةِ الْمَصْدَرِ، أَوِ اعْتِبَارُ كُلِّ مَعْلُومَةٍ تَظْهَرُ لَنَا عَبْرَ مُحَرِّكَاتِ الْبَحْثِ صَحِيحَةً لِمُجَرَّدِ ظُهُورِهَا، لَا تَجْعَلُ مِنَ الْإِنْسَانِ صَاحِبَ عِلْمٍ، بَلْ قَدْ تَقُودُهُ إِلَى أَفْكَارٍ وَمَفَاهِيمَ غَيْرِ صَحِيحَةٍ فِي أُمُورِ الدِّينِ. وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الدِّينِيَّةَ الْخَاطِئَةَ لَا تُضَلِّلُ أَفْكَارَنَا وَتُشَوِّشُ أَذْهَانَنَا فَحَسْبُ، بَلْ قَدْ تَمْتَدُّ آثَارُهَا إِلَى عِبَادَاتِنَا، وَحَيَاتِنَا الْأُسَرِيَّةِ، وَعَلَاقَاتِنَا مَعَ الْآخَرِينَ. وَلِذَلِكَ، عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ دِينَنَا مِنْ مَصَادِرِهِ الْمَوْثُوقَةِ، وَأَنْ نَرْجِعَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاخْتِصَاصِ وَنَسْأَلَهُمْ فِيمَا نَشُكُّ فِيهِ أَوْ نَجْهَلُ حُكْمَهُ، حَتَّى نَعْبُدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
إِنَّ وَفَاةَ الْعَالِمِ لَا تَعْنِي فُقْدَانَ إِنْسَانٍ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ كَذَلِكَ فُقْدَانُ مَصْدَرٍ مِنْ مَصَادِرِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْإِرْشَادِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». ويبيّن لنا هذا الحديث الشريف أنَّ العلم يقلّ ويضعف بوفاة العلماء، ولا سيّما عندما لا يوجد من يتلقّى العلم عنهم ويقوم مقامهم ويحمل رسالتهم من بعدهم. وَلِذَلِكَ، يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُوَجِّهَ أَبْنَاءَنَا إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَأَنْ نُشَجِّعَ عَلَى إِعْدَادِ عُلَمَاءَ جُدُدٍ، وَأَنْ نَدْعَمَ تَرْبِيَةَ وَتَنْشِئَةَ أَجْيَالٍ مُؤَهَّلَةٍ وَنَافِعَةٍ لِلْمُجْتَمَعِ، تَجْمَعُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَلَّا يُزِيغَ بِنَا عَنْ سَبِيلِهِ الْقَوِيمِ، وَأَنْ يَحْفَظَنَا وَيَحْفَظَ أَبْنَاءَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِنَ الضَّلَالِ وَالِانْحِرَافِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ. آمِينَ.










