خطبة

خطبة الجمعة ٨\١٠\٢٠٢١ اتّباع السّنّة واجتناب البِدَع

07.10.2021
Koran Tasbih Grün

يَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ الأَعِزَّاء،

أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى القُرْآنَ الكَرِيمَ دَلِيلًا لِفَلَاحِ النَّاسِ وَسَعَادَتِهِمْ، وَبَعَثَ النَّبِيَّ ﷺ تِبْيَانًا لِكَيْفِيَّةِ تَطْبِيقِهِ فِي الحَيَاةِ اليَوْمِيَّة. يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[1] فَالسُّنَّةُ تَطْبِيقٌ نَبَوِيٌّ لِلْقُرْآنِ الكَرِيم. وَإِنَّ كُتُبَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ نَتِيجَةُ جُهُودٍ دَقِيقَةٍ لِلعُلَمَاءِ المُحَدِّثِينَ العِظَام. فَدَوَّنُوهَا حَتَّى وَصَلَتْنَا اليَوْم. وَأَكَّدَ المَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ أَهَمِّيَّةَ طَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَاتِّبَاعِهِ – يَعْنِي مُتَابَعَةَ خُطَاهُ – وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ وَأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ كَلَّفَهُ ﷺ بِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ وَبَيَانِهَا. وَإِنَّ ذٰلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ السُّنَّةِ كَامِلَةً أَثْنَاءَ جَمْعِهَا وَتَدْوِينِهَا. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ هٰكَذَا لَتَعَطَّلَتْ شَرِيعَةُ رَبِّنَا جَلَّ وَعَزّ. وَإِنَّ حِفْظَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَوْحَاهُ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، وَحِفْظَ السُّنَّةِ وَتَدْوِينَهَا بِشَكْلٍ صَحيحٍ مِيزَةٌ مِنْ مِيزَاتِ هٰذِهِ الأُمَّة.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ المُحْتَرَمُون،

رَسَمَ لَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ وَالنَّبِيُّ المُخْتَارُ ﷺ حُدُودَ دِينِنَا هٰذَا. وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَزِيدَ فِيهِ أَوْ نَنْقُص. فَإِنَّ الزِّيَادَاتِ فِي الدِّينِ بِدْعَة. وَقَدْ حَذَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيف: «وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا. وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ. وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[2] وَقَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هٰذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ»[3]

وَلٰكِنْ قَدْ قَسَمَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا البِدْعَةَ قِسْمَيْنِ: البِدْعَةُ الحَسَنَةُ وَالبِدْعَةُ السَّيِّئَة. فَالمَقْصُودُ بالضَّلَالَةِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ البِدَعُ السَّيِّئَة. وَعَلَامَةُ البِدَعِ السَّيِّئَةِ أَنْ تُدْخَلَ فِي الدِّينِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الدِّينِ وَيُنْكَرَ عَلَى تَارِكِهَا كَأَنَّهُ أَهْمَلَ وَظِيفَةً دِينِيَّة. مِنْ أَمْثِلَةِ ذٰلِكَ النَّوْعِ مِنَ البِدَعِ إِشْعَالُ الشُّمُوعِ عِنْدَ الْقُبُورِ، وَكَذٰلِكَ تَعْلِيقُ الخِرَقِ المَكْتُوبَةِ فِيهَا الأَمَانِي.

أَيُّهَا الجَمَاعَةُ الكَرِيمَة،

وَأَمَّا البِدَعُ الحَسَنَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا. وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ»[4] فَلِذٰلِكَ قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) “نِعْمَ البِدْعَةُ هٰذِهِ[5] حِينَ رَأَى اسْتِمْرَارَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ فِي أَدَائِهِمْ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَة. وَقَدْ يُذْكَرُ مِنَ البِدَعِ الَّتِي لَا بَأْسَ بِفِعْلِهَا جَمْعُ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي مُصْحَفِ الإِمَامِ، وَاسْتِمْرَارُ أَدَاءِ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَإِنْشَاءُ المَآذِنِ وَالمَدَارِس.

إِخْوَتِي الفُضَلَاء،

إِضَافَةً إِلَى مَا ذَكَرْنَا يُوجَدُ بَعْضُ التَّطْبِيقَاتِ العُرْفِيَّةِ تُعَدُّ مِنَ البِدَعِ الحَسَنَةِ مَعَ أَنَّهَا قَدْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ. وَمِنْهَا إِحْيَاءُ اللَّيَالِي الخَاصَّةِ وَثَقَافَةُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالأَعْرَاسُ الشَّعْبِيَّةُ، وَاللِّبَاسُ التَّقْلِيدِيَّةُ، وَالأَذْكَارُ الجَمَاعِيَّةُ، وَالصَّلَوَاتُ عَلَى النَّبِيِّ مَسَاءَ الخَمِيسِ لِإِعْلَانِ يَوْمِ الجُمُعَةِ أَوِ التَّذْكِيرِ قُبَيْلَ صَلَاةِ. وَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُهْمِلَ هٰذِهِ التَّطْبِيقَات. فَإِنَّ الأَجْيَالَ الآتِيَةَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا لِيُدْرِكُوا كَيْفِيَّةَ تَطْبِيقِ الدِّينِ فِي الحَيَاةِ اليَوْمِيَّة. وَمَعَ ذٰلِكَ لَا نَتَسَاهَلُ فِي قَضِيَّةِ البِدَعِ المُهْلِكَةِ لِأَصْلِ الدِّينِ. وَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ الأَمْرَيْن. لَا نَقْبَلُ عَلَى الإِطْلَاقِ، كَمَا لَا نَرُدُّ عَلَى الإِطْلَاق. وَلِذٰلِكَ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ مَعْرِفَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، كَمَا لَا بُدَّ لَنَا مِنْ مَعْرِفَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَسُنَّتِه.

ثَبَّتَنَا اللَّهُ عَلَى سُنَّةِ الحَبِيبِ المُصْطَفَى ﷺ وَحَفِظَنَا مِنَ البِدَعِ المُضِلَّةِ المُهْلِكَة. آمين

[1] سورة الأحزاب:٢١

[2] سنن النّسائيّ، كتاب العيدين، ٢٢، رقم الحديث (١٥٧٨)

[3] متّفق عليه. صحيح البخاري، كتاب الصّلح، ٥، رقم الحديث (٢٦٩٧)؛ صحيح مسلم، كتاب الأقضية، ٨، رقم الحديث (١٧١٨)

[4] صحيح مسلم، كتاب العلم، ٦، رقم الحديث (١٠١٧)

[5] صحيح البخاري، كتاب التّراويح، ١، رقم الحديث (٢٠١٠)

 

خطبة الجمعة ٨\١٠\٢٠٢١ اتّباع السّنّة واجتناب البِدَع