خطبة
خُطْبَةُ الْجُمُعَة
13.05.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
إِنَّ دِينَنَا الْإِسْلَامَ جَاءَ لِيَهْدِيَ الْإِنْسَانَ إِلَى حَيَاةٍ مُتَوَازِنَةٍ وَذَاتِ مَعْنًى. وَمِنْ أَعْظَمِ الْقِيَمِ الَّتِي يَحُثُّنَا الْإِسْلَامُ عَلَيْهَا قِيمَةُ الصَّبْرِ. فَالصَّبْرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ، بَلْ هُوَ ثَبَاتٌ عَلَى الْحَقِّ، وَقُوَّةٌ فِي مُوَاجَهَةِ الِابْتِلَاءَاتِ، وَإِرَادَةٌ وَاعِيَةٌ تَدْفَعُ الْمُسْلِمَ إِلَى مُوَاصَلَةِ الطَّرِيقِ بِثِقَةٍ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُؤْمِنُ لَا يَجْعَلُ الصَّبْرَ مُجَرَّدَ انْتِظَارٍ، وَإِنَّمَا يَرَاهُ عِبَادَةً، وَعَزِيمَةً، وَمُقَاوَمَةً لِلنَّفْسِ وَالشَّدَائِدِ، مَعَ يَقِينٍ كَامِلٍ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الصَّابِرِينَ. وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تَرَكُوا أَوْطَانَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿اَلَّذ۪ينَ صَبَرُوا وَعَلٰى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. الصَّبْرُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَكْتَمِلُ بِهَا شَخْصِيَّةُ الْمُؤْمِنِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
إِنَّ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ لَا يَخْلُو مِنَ الِابْتِلَاءَاتِ؛ فَقَدْ يُبْتَلَى فِي الرِّزْقِ، أَوْ بِمَرَضٍ، أَوْ بِأَلَمٍ فِي الْقَلْبِ. وَهُنَا تَظْهَرُ قِيمَةُ الصَّبْرِ، فَهُوَ السَّنَدُ الَّذِي يُثَبِّتُ الْإِنْسَانَ وَيُعِينُهُ عَلَى مُوَاصَلَةِ الطَّرِيقِ. فَالصَّابِرُ لَا يَتَصَرَّفُ بِغَضَبٍ عِنْدَ وُقُوعِ الِابْتِلَاءِ، بَلْ يَتَعَامَلُ مَعَ الْأُمُورِ بِصَبْرٍ وَحِكْمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّبْرَ هُوَ طَرِيقُ النَّجَاةِ. وَقَدْ بَشَّرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿يَٓا اَيُّهَا الَّذٖينَ اٰمَنُوا اسْتَعٖينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلٰوةِؕ اِنَّ اللّٰهَ مَعَ الصَّابِرٖينَ﴾.وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ، وما أُعطيَ أحَدٌ عَطاءً خَيرًا وأوسَعَ مِنَ الصَّبرِ.» وَإِذَا تَأَمَّلْنَا فِي سِيرَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَجَدْنَاهُ أَعْظَمَ النَّاسِ صَبْرًا وَثَبَاتًا، فَلَمْ تَزِدْهُ الْمِحَنُ وَالشَّدَائِدُ إِلَّا قُوَّةً وَيَقِينًا. فَقَدْ وَاجَهَ فِي مَكَّةَ أَنْوَاعَ الْأَذَى وَالظُّلْمِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَخَلَّ عَنِ الصَّبْرِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ فَاِنَّ اللّٰهَ لَا يُضٖيعُ اَجْرَ الْمُحْسِنٖينَ﴾. فَكَانَ صَبْرُهُ سَبَبًا لِلنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، حَتَّى ظَهَرَ الْحَقُّ وَانْتَصَرَ دِينُ اللَّهِ.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
إِنَّ الصَّبْرَ لَا يَكُونُ عِنْدَ الِابْتِلَاءِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ فِي الْعِبَادَةِ، وَفِي الِالْتِزَامِ بِالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَفِي تَجَنُّبِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ. فَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ، وَالثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ وَالدِّفَاعُ عَنْهُ، كُلُّهَا أُمُورٌ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَمُجَاهَدَةٍ لِلنَّفْسِ. وَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ مِنَ الْقِيَمِ الْعَظِيمَةِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ. فَالصَّابِرُ لَا يَسْتَسْلِمُ لِغَضَبِهِ، وَلَا يَنْقَادُ لِشَهَوَاتِهِ، بَلْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَلَا يَحِيدُ عَنِ الْحَقِّ. وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمًا فَقَالَ: «ما تعدُّونَ فيكمُ الصُّرعةَ؟ قُلنا: الَّذي لا تصرَعُهُ الرِّجالُ، قالَ: قالَ لا ولَكِنِ الَّذي يملِكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ» فَالْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي قُوَّةِ الْجَسَدِ وَالْعَضَلَاتِ، وَإِنَّمَا فِي قُوَّةِ الْإِرَادَةِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّحَكُّمِ بِالْغَضَبِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
عَلَيْنَا أَلَّا نَنْسَى أَنَّ ثَوَابَ الصَّبْرِ لَا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَهُ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَبَعْدَ الضِّيقِ فَرَجًا. وَقَدْ ذَكَّرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْعَظِيمَةِ فِي سُورَةِ الِانْشِرَاحِ فَقَالَ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ عِبَادَهُ الصَّابِرِينَ بِعَظِيمِ الْأَجْرِ. لِذَا فَلْنَتَحَلَّ بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِنَا، وَلْنَصْبِرْ أَمَامَ الشَّدَائِدِ، وَلْنَجْعَلْ تَوَكُّلَنَا وَاعْتِمَادَنَا دَائِمًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَنَخْتِمُ خُطْبَتَنَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّابِرِينَ، وَارْزُقْ قُلُوبَنَا الثَّبَاتَ وَالْقُوَّةَ، وَامْلَأْ حَيَاتَنَا بِالْحِكْمَةِ وَالسَّكِينَةِ، وَلَا تَجْعَلْنَا نَحِيدُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ فِي كُلِّ أَمْرٍ.











