خطبة
الأمانة والجدارة بالثقة
22.01.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
إِنَّ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ خُلُقَانِ عَظِيمَانِ يَقُومُ عَلَيْهِمَا صَلَاحُ الْفَرْدِ وَاسْتِقْرَارُ الْمُجْتَمَعِ. فَالْإِنْسَانُ الصَّادِقُ يَكُونُ قَلْبُهُ مُطْمئِنًا، سَاكِنَ النَّفْسِ، لَا يَحْمِلُ هَمَّ الْكَذِبِ، وَلَا يَعِيشُ فِي خَوْفِ أَنْ يَنْكَشِفَ كَذِبُهُ. وَأَمَّا الْإِنْسَانُ الْأَمِينُ، فَأَيْنَمَا كَانَ حَلَّ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ؛ فَتَقَوَّى رَوَابِطُ الْأُسْرَةِ، وَتَكُونُ الْمَوَدَّةُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَحُلُّ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتِّجَارَةِ. وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِالصِّدْقِ فَقَالَ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصِّدْقَ لَيْسَ خُلُقًا فَرْدِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ خُلُقٌ يَقُومُ عَلَيْهِ بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ.
وَيُبَيِّنُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَةَ الصِّدْقِ وَآثَارَهُ الْعَظِيمَةَ، فَيَقُولُ: «إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البِرِّ وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ وإنَّ الرَّجلَ ليصدقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللَّهِ صدِّيقًا…». فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اَلصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ مَنْهَجَ حَيَاةٍ؛ يَنَالُ بِهِمَا رَاحَةَ اَلْقَلْبِ فِي اَلدُّنْيَا، وَالْفَوْزَ وَالسَّعَادَةَ فِي اَلْآخِرَةِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
مِنْ أَهَمِّ صِفَاتٍ الَّتِي تَجْعَلُ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا حَقِيقِيًّا وَتُمَيِّزُهُ خُلُقُ الصِّدْقِ. الصِّدْقُ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. فَكُلَّمَا صَدُقَ اللِّسَانُ طَهُرَ الْقَلْبُ وَنَقِيَّ. وَلِذَلِكَ أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالصِّدْقِ وَبِمُرَافَقَةِ الصَّادِقِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
مِنْ أَكْبَرِ الْأَزَمَاتِ الَّتِي نَعِيشُهَا فِي يَوْمِنَا هَذَا انْعِدَامُ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَسَاسُهَا فِقْدَانُ قِيمَةِ صِدْقِ الْقَوْلِ. فَقَدْ أَصْبَحَ النَّاسُ يَحْذَرُونَ وَيَتَحَفَّظُونَ حَتَّى مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ مِنْ الْجَارِ، وَمِنْ صَدِيقِ الْعَمَلِ، بَلْ حَتَّى مِنْ دَاخِلِ الْأُسْرَةِ نَفْسِهَا. وَصِرْنَا فِي زَمَنٍ يَشُكُّ النَّاسُ بِبَعْضِهِمْ حَتَّى أَصْبَحَ ذَلِكَ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ، وَتَتَفَكَّكُ الصَّدَاقَاتُ بِسَبَبِ خِلَافَاتٍ وَأُمُورٍ بَسِيطَةٍ. أَصْبَحَتْ الْكَلِمَةُ وَحْدَهَا فِي هَذَا الزَّمَنِ لَا تَكْفِي، وَأَصْبَحَ كُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَإِثْبَاتٍ وَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ مَا فُقِدَ هُوَ أَسَاسُ الصِّدْقِ وَرُوحُ الثِّقَةِ الَّتِي تُنْشَأُ الطُّمَأْنِينَةَ بَيْنَ النَّاسِ.
فِي مُجْتَمَعِنَا الصِّدْقُ وَالثِّقَةُ أَمْرٌ أَسَاسِيٌّ، وَمُهِمٌّ، وَالْكَلِمَةُ أَمَانَةٌ، وَشَرَفٌ. فَإِذَا ضَعُفَتْ الثِّقَةُ يَبْدَأُ الْقَلَقُ وَالِاضْطِرَابُ يُسَيْطِرُ عَلَى النَّاسِ، فَتَضْعُفُ الرَّوَابِطُ الْأُسَرِيَّةُ، وَتَتَضَرَّرُ الْعَلَاقَاتُ، وَيَتَفَكَّكُ الْمُجْتَمَعُ. فَالثِّقَةُ هِيَ أَسَاسُ بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ. فَلَا يَتَحَقَّقُ الْأَمْنُ، وَالسَّكِينَةُ، وَالْخَيْرُ إِلَّا فِي بِيئَةٍ يَسُودُهَا الصِّدْقُ وَالثِّقَةُ الْمُتَبَادَلَةُ بَيْنَ النَّاسِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
وَقَدْ أَوْصَانَا نَبِيُّنَا الْكَرِيمُ ﷺ بِالصِّدْقِ، وَحَذَّرَنَا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْكَذِبِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْكَذِبَ مَرَضٌ يَضُرُّ الْمُجْتَمَعَ، فَقَالَ: «إياكم والكذبَ، فإن الكذبَ يهدي إلى الفجورِ، والفجورُ يهدي إلى النارِ» كَمَا قَالَ ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ مُرْتَبِطَانِ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِالْإِيمَانِ، فَالْمُؤْمِنُ وُجُودُهُ أَمَانٌ لِلنَّاسِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ يُنْشِئُ الثِّقَةَ فِي مُجْتَمَعِهِ، وَيَزْرَعُ الطُّمَأْنِينَةَ بَيْنَ مَنْ حَوْلَهُ. أَمَّا نَشْرُ الشَّكِّ وَزَعْزَعَةُ الثِّقَةِ بَيْنَ النَّاسِ فَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِدِينِنَا وَأَخْلَاقِنَا. فَالثِّقَةُ هِيَ التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِلْإِيمَانِ، وَهِيَ الدَّلِيلُ عَلَى صِدْقِ الْمُسْلِمِ وَأَخْلَاقِهِ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنْ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنْ الْكَذِبِ، وَأَعْمَالَنَا مِنْ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّادِقِينَ، وَعَمِّرْ بُيُوتَنَا، وَمُجْتَمَعَاتِنَا بِالصِّدْقِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالثِّقَةِ. إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آمِينَ.











