خطبة
قوة التوبة
04.02.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
إِنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَفِي حَيَاتِهِ قَدْ يَقَعُ فِي الْغَفْلَةِ وَالْخَطَأِ وَيَعْصِي اللَّهَ. لَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ عَظِيمَةٌ وَهِيَ التَّوْبَةُ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿فَتَلَقّٰٓى اٰدَمُ مِنْ رَبِّه۪ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِۜ اِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّح۪يمُ﴾
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَٓا اَيُّهَا الَّذٖينَ اٰمَنُوا تُوبُٓوا اِلَى اللّٰهِ تَوْبَةً نَصُوحاًؕ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُؤَكِّدُ لَنَا أَنَّ التَّوْبَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِصِدْقٍ وَعَزْمٍ وَقَدْ سَمَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ. وَأَوَّلُ دَلِيلٍ عَلَى التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ أَنْ يَنْدَمَ الْعَبْدُ عَلَى فِعْلَتِهِ وَيَلْجَئَ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ. وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذ۪ينَ اِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً اَوْ ظَلَمُٓوا اَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّٰهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْۖ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ اِلَّا اللّٰهُۖ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلٰى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ التَّوْبَةُ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى النَّدَمِ فَحَسْبُ، بَلْ لَابُدَّ مِنْ تَرْكِ الذَّنْبِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ، وَالْعَزْمِ الصَّادِقِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الذَّنْبُ مُتَعَلِّقًا بِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَجَبَ رَدُّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا وَطَلَبُ الْمُسَامَحَةِ.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
التَّوْبَةُ النَّصُوحُ هُوَ أَنْ يَعْزِمَ الْعَبْدُ عَلَى تَرْكِ الذَّنْبِ وَعَدَمِ الْعَوْدَةِ لَهُ، وَأَنْ يَسْعَيَ لِمُحَاوَلَةِ إِصْلَاحِ مَا فَعَلَهُ مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ طَلَبِ الْعَفْوِ مِمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ. التَّوْبَةُ تُلَيِّنُ الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ، وَتُوقِظُ الضَّمَائِرَ الْغَافِلَةَ، وَتُعْطِي الْإِنْسَانَ طَرِيقًا جَدِيدًا فِي حَيَاتِهِ. التَّوْبَةُ تُنْقِذُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْيَأْسِ وَتَفْتَحُ لَهُ بَابَ الْأَمَلِ. فَمَهْمَا عَظُمَ الذَّنْبُ فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أَعْظَمُ. وَقَدْ بَشَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ” فَالتَّائِبُ إِلَى اللَّهِ يَتْرُكُ أَوْزَارَ الْمَاضِي، وَيَتَحَرَّرُ مِنْهَا وَيَلْجَأُ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ صَادِقٍ مَلِيءٍ بِالْأَمَلِ وَالثِّقَةِ بِاللَّهِ. التَّوْبَةُ تُخْرِجُ الْإِنْسَانَ مِنْ الظُّلُمَاتِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى النُّورِ الطَّاعَةِ، وَمِنْ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ إِلَى السَّكِينَةِ، وَمِنْ التَّشَتُّتِ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ. وَقَدْ أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
أَوْصَانَا رَسُولُنَا الْكَرِيمُ بِالتَّوْبَةِ وَقَالَ: «وَاللهِ إني لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وأَتُوبُ إليهِ في اليومِ أَكْثَرَ من سَبْعِينَ مَرَّةً» وَهَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ التَّوْبَةَ عِبَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ فَقَطْ، بَلْ لَابُدَّ أَنْ يَظْهَرَ أثَرُهَا فِي الْعَمَلِ أَيْضًا. فَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الصِّدْقِ وَالْعَزْمِ تُحْدِثُ تَغْيِيرًا حَقِيقِيًّا فِي الْحَيَاةِ. فَلْنُقْبِلْ إِلَى اللَّهِ بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ، وَلْنَتَعَلَّمْ مِنْ أَخْطَائِنَا، وَنُحَاوِلْ أَنْ نَكُونَ عِبَادًا صَالِحِينَ يَرْضَى اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلْنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ مَفْتُوحَةٌ دَائِمًا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ التَّائِبِينَ الصَّادِقِينَ، اللَّهُمَّ زَيِّنْ قُلُوبَنَا بِالْإِيمَانِ، وَأَخْلَاقَنَا بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
الْيَوْمَ السَّادِسُ مِنْ فِبْرَايِرَ، قَدْ مَضَى ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ عَلَى الزِّلْزَالِ الْمُدَمِّرِ الَّذِي ضَرَبَ وِلَايَةَ كَهْرَمَانْ مَرْعَشَ. وَتَسَبَّبَ هَذَا الزِّلْزَالُ فِي دَمَارٍ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ وِلَايَةً، وَفَقَدْنَا ثَلَاثَةَ وَخَمْسَمِائَةٍ وَسَبْعَةً وَثَلَاثِينَ مِنْ إِخْوَانِنَا، وَأُصِيبَ أَكْثَرُ مِنْ مِئَةٍ وَسَبْعِينَ آلَافٍ إِنْسَانٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَهُمْ وَيَجْعَلَ مَثْوَاهُمْ الْجَنَّةَ، وَأَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُمْ الصَّبْرَ. نَدْعُو الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةَ أَنْ يَتَعَاوَنُوا بِإِصْلَاحِ الْمَبَانِي لِكَيْلَا تَتَكَرَّرَ الْحَادِثَةُ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّلَازِلِ وَادْفَعْ عَنَّا الْبَلَاءَ.











