خطبة
التطور العاطفي والنقاء الروحي
18.02.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِبُلُوغِ رَمَضَانَ أَمْسِ، وَهَذَا الشَّهْرُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَزْكِيَةِ نُفُوسِنَا وَتَطْهِيرِ قُلُوبِنَا. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)) وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ لَا تَكُونُ بِمَالِهِ، وَلَا بِمَنْصِبِهِ، وَلَا بِمَظْهَرِهِ وَمَكَانَتِهِ، بَلْ بِنِقَاءِ قَلْبِهِ. وَقَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ.» وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَهْتَمَّ بِتَطْهِيرِ وَإِصْلَاحِ قُلُوبِنَا، وَتَزْكِيَةِ نُفُوسِنَا وَلَا سِيَّمَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَصَلَاحُ الْقَلْبِ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ الْعِبَادَاتُ تُؤَدَّى وَفْقَ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالْهَدَفُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْفَرْدِيَّةِ تَطْهِيرُ الْقُلُوبِ وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ. وَيَأْتِي شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ لِيَمْنَحَنَا هَذِهِ الْفُرْصَةَ الْعَظِيمَةَ لِنَكُونَ عِبَادًا صَالِحِينَ يَرْضَى اللَّهُ عَنْهُمْ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
الْقَلْبُ هُوَ مَرْكَزُ الْإِيمَانِ، فَالْإِيمَانُ يَكُونُ فِي الْقَلْبِ وَالنِّيَّةُ تَتَشَكَّلُ فِيهِ، وَالْأَفْعَالُ تَنْبَعُ مِنْهُ. فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ صَادِقًا صَلُحَ كَلَامُ الْإِنْسَانِ وَحَسُنَ عَمَلُهُ. وَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ أَصَابَهُ الْكِبْرُ، وَالْحِقْدُ، وَالْكُرْهُ، وَالْغَضَبُ، وَالرِّيَاءُ. وَهَذَا الْمَرَضُ لَا يُفْسِدُ الْفَرْدَ فَحَسْبُ، بَلْ يُفْسِدُ الْمُجْتَمَعَ بِأَكْمَلِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ حَيْثُ قَالَ: «أَلاَ وَإِنَّ فِى الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ.»
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
إِنَّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي تَزْكِيَةِ النَّفْسِ هِيَ أَنْ يُحَاسِبَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ. فَتُصْبِحُ الْقُلُوبُ نَقِيَّةً بِمُرَاجَعَةِ النَّوَايَا، وَالْحِرْصِ عَلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، بَعِيدًا عَنْ الرِّيَاءِ، خَالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ فَتَكُونُ بِتَجَنُّبِ الْمَعَاصِي، وَالذُّنُوبِ، وَبِالتَّوْبَةِ دَائِمًا. فَالذُّنُوبُ تُقْسِي الْقَلْبَ، وَالْعِبَادَاتُ وَالتَّوْبَةُ تُنَيرُهُ وَتُحْيِيهِ. أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ يَرْتَكِبُهُ الْإِنْسَانُ يَتْرُكُ أَثَرًا فِي الْقَلْبِ، وَبِالتَّوْبَةِ يَزُولُ ذَلِكَ الْأَثَرُ. وَإِذَا لَمْ يَتُبْ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِمَّنْ شَمَلَهُمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلٰى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ نَسْأَلُ اَللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ التَّائِبِينَ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا قَلْبًا صَالِحًا.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
وَمِنْ أَنْجَحِ السُّبُلِ لِتَطْهِيرِ الْقَلْبِ التَّقَرُّبُ لِكِتَابِ اللَّهِ. فَالْقُرْآنُ فِيهِ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْقُلُوبِ. وَالصَّلَاةُ، وَالذِّكْرُ، وَالدُّعَاءُ يُحْيِي الْقَلْبَ وَيُطَهِّرُهُ مِنْ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ. وَإِلَى جَانِبِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَفْوَ، وَالتَّسَامُحَ، وَتَمَنِّيَ الْخَيْرِ لِلْآخَرِينَ، وَتَطْهِيرَ الْقَلْبِ مِنْ الْحِقْدِ وَالْكُرْهِ كُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ مَرَاتِبِ تَهْذِيبِ الْقَلْبِ وَتَرْبِيَتِهِ. فَالْقَلْبُ الرَّحِيمُ أَقْرَبُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارحَموا تُرحَموا، واغفِروا يُغفَرْ لَكُم» فَلْنَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ الْقَلْبَ اَلسَّلِيمَ الطَّاهِرَ أَسَاسُ الْإِيمَانِ، وَالْخُلُقِ اَلْحَسَنِ، والْحَيَاةِ الْهَانِئَةِ. وَمَنْ رَبَّى وَهَذَّبَ قَلْبَهُ عَلَى اَلْإِيمَانِ، وَالتَّقْوَى، وَحُسْنِ اَلْخُلُقِ فَازَ بِالسَّعَادَةِ فِي اَلدُّنْيَا، وَالنَّجَاةِ فِي اَلْآخِرَةِ.
فَلْنَجْتَهِدْ فِي لِقَاءِ اللَّهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. نَسْأَلُ اَللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ اَلطَّاهِرِينَ اَلصَّادِقِينَ فِي اَلْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.











