خطبة
الزكاة، والفدية، والإنفاق
05.03.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
إِنَّ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ بِاللِّسَانِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ عَقِيدَةٌ رَاسِخَةٌ فِي الْقَلْبِ، يُصَدِّقُهَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَتُزَكِّيهَا الْأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ. فَالْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ جَنَاحَانِ مُتَلَازِمَانِ، يُقَوِّي أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا يَسْتَقِيمُ حَالُ الْعَبْدِ إِلَّا بِهِمَا مَعًا. إِنَّ الْمُسْلِمَ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَسْبَ الْحَلَالَ وَالْإِنْفَاقَ الْحَلَالَ عِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ، لَكِنَّهُ يُدْرِكُ كَذَلِكَ أَنَّ مَالَهُ لَيْسَ مِلْكًا خَالِصًا لَهُ، بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَفِي هَذِهِ الْأَمَانَةِ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، حِينَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ اَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اٰمَنَ بِاللّٰهِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَالْمَلٰٓئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيّٖنَۚ وَاٰتَى الْمَالَ عَلٰى حُبِّهٖ ذَوِى الْقُرْبٰى وَالْيَتَامٰى وَالْمَسَاكٖينَ وَابْنَ السَّبٖيلِ وَالسَّٓائِلٖينَ وَفِى الرِّقَابِۚ وَاَقَامَ الصَّلٰوةَ وَاٰتَى الزَّكٰوةَۚؕ﴾.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
إِنَّ الزَّكَاةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ. قَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ يُنْقِصُ الْمَالَ، وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُنْقِصُ الْمَالَ، بَلْ تَزِيدُهُ بَرَكَةً وَنَمَاءً. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ…». فَالزَّكَاةُ تُطَهِّرُ الْمَالَ، وَتُزَكِّي النَّفْسَ مِنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ، وَتُنَقِّي الْقُلُوبَ مِنَ التَّعَلُّقِ الْمُفْرِطِ بِالدُّنْيَا، وَتُرَبِّي فِي النَّفْسِ مَعَانِيَ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، كَمَا تُحَقِّقُ التَّوَازُنَ فِي الْمُجْتَمَعِ، فَتَسُدُّ حَاجَةَ الْفَقِيرِ، وَتُخَفِّفُ مُعَانَاةَ الْمُحْتَاجِ، وَتُقَوِّي رَوَابِطَ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ بَيَّنَ نَبِيُّنَا الْكَرِيمُ ﷺ أَنَّ الزَّكَاةَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ إِسْلَامِ الْعَبْدِ، وَعَلَامَةٌ عَلَى إِيمَانِهِ الصَّادِقِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطَايَا كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. فَهِيَ لَيْسَتْ عِبَادَةً مَالِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ تَطْهِيرٌ رُوحِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ، تُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ، وَتَرْفَعُ دَرَجَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
إِنَّ الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ وَأَشْمَلُ. فَكُلُّ مَالٍ يُنْفِقُهُ الْمُسْلِمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ. إِنَّ الْيَدَ الَّتِي تُعِينُ الْفَقِيرَ، وَالْقَلْبَ الَّذِي يَحْتَضِنُ الْيَتِيمَ، وَإِفْرَاجَ كَرْبِ الْمَدِينِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ. وَقَدْ بَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وَهَذِهِ بُشَارَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَطَاءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَانٌ فِي الْآخِرَةِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
إِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ شُكْرٌ لِلَّهِ عَلَى بُلُوغِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَإِتْمَامِ صِيَامِهِ. وَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ الَّذِي يَمْلِكُ فَوْقَ حَاجَاتِهِ الْأَسَاسِيَّةِ مِقْدَارَ النِّصَابِ، فَيُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْفُقَرَاءُ وَالْمُحْتَاجُونَ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْعِيدِ بِفَرَحٍ وَطُمَأْنِينَةٍ. وَتُدْفَعُ زَكَاةُ الْفِطْرِ لِمَنْ تُدْفَعُ لَهُمْ الزَّكَاةُ، وَلَا يَجُوزُ إِعْطَاؤُهَا لِمَنْ لَا يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ الزَّكَاةَ.
أَمَّا الْفِدْيَةُ، فَهِيَ رُخْصَةٌ وَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ، تُشْرَعُ لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ لِعُذْرٍ صِحِّيٍّ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْقَضَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ يَفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَاحِدًا، وَمِقْدَارُهَا يُعَادِلُ مِقْدَارَ زَكَاةِ الْفِطْرِ. وَهِيَ كَذَلِكَ مَسْؤُولِيَّةٌ تُعَبِّرُ عَنْ صِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ، وَحِرْصِ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
الزَّكَاةُ، وَالْإِنْفَاقُ، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ، وَالْفِدْيَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَادَاتٍ مَالِيَّةٍ، بَلْ هِيَ ضَمَانٌ لِتَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَتَرْسِيخٌ لِمَعَانِي الْأُخُوَّةِ وَالتَّرَاحُمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَلْنَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَلْنُبَادِرْ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا نَنْسَ أَدَاءَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَالْفِدْيَةِ، وَلَا نُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا. وَلْنُؤَدِّ زَكَاتَنَا عَبْرَ الْجَمْعِيَّاتِ الْمَوْثُوقَةِ الَّتِي تُوَصِّلُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا، مِثْلَ جَمْعِيَّةِ حَسَنَةَ (HASENE).
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْعِبَادِ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ، وَأَنْ يَكْتُبَنَا مِنَ الصَّادِقِينَ الْمُتَّقِينَ. اللّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صَلَاتَنَا وَصِيَامَنَا وَزَكَاتَنَا وَإِنْفَاقَنَا، وَاجْعَلْهَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَنَا، وَاجْعَلْنَا سَبَبًا فِي تَفْرِيجِ كَرْبِ الْمَكْرُوبِينَ











