خطبة
معاني التضحية وروح التكافل
21.05.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الْقَادِمِ سَنَبْلُغُ عِيدَ الْأَضْحَى الْمُبَارَكَ وَنَذْبَحُ أَضَاحِينَا. الْأُضْحِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ذَبْحِ حَيَوَانٍ فَقَطْ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ وَتَعْبِيرٌ عَنْ خُضُوعِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ. يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَلِكُلِّ اُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلٰى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهٖيمَةِ الْاَنْعَامِؕ فَاِلٰهُكُمْ اِلٰهٌ وَاحِدٌ فَلَـهُٓ اَسْلِمُواؕ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتٖينَۙ﴾ لَقَدْ بَيَّنَ لَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْغَايَةَ مِنَ الْأُضْحِيَّةِ الْإِخْلَاصُ وَالنِّيَّةُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا. وَلِذَلِكَ عِنْدَ الذَّبْحِ يَجِبُ أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا، وَنُطَهِّرَ قُلُوبَنَا، وَنُجَدِّدَ نِيَّتَنَا وَنُخْلِصَهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ إِرْثٌ وَرِثْنَاهُ عَنْ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَدْ أَكَّدَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِخْلَاصَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَلَمَّٓا اَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَب۪ينِۚ﴾ وَتُعَدُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الطَّاعَةِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَعَلَيْنَا نَحْنُ أَيْضًا عِنْدَ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ أَنْ نَسْتَحْضِرَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الْعَظِيمَةَ، وَأَنْ نَبْتَعِدَ عَنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُنَا عَنِ الطَّاعَةِ وَيُعِيقُ خُضُوعَنَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
وَتُعَدُّ الْأُضْحِيَّةُ مِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ التَّرَاحُمِ وَالتَّكَافُلِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَمُشَارَكَةُ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ مَعَ الْمُحْتَاجِينَ تُقَوِّي رُوحَ التَّضَامُنِ بَيْنَ النَّاسِ. فَفِي يَوْمِنَا هَذَا يُعَانِي الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْجُوعِ، وَالْأُضْحِيَّةُ تُذَكِّرُنَا بِالْمُشَارَكَةِ مَعَ إِخْوَانِنَا. يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا هُوَ أَمَانَةٌ مِنَ اللهِ، فَعَلَيْنَا أَلَّا نَغْفُلَ عَنِ الْمُحْتَاجِينَ. يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿اَلَّذٖينَ يُنْفِقُونَ اَمْوَالَهُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ اَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْۚ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يَنْبَغِي أَلَّا نَجْعَلَ الْعَطَاءَ مُقْتَصِرًا فِي الْعِيدِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ مِنْهَاجًا ثَابِتًا فِي حَيَاتِنَا.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
إِنَّ خُلُقَ الْمُشَارَكَةِ مِنَ الْقِيَمِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي دِينِنَا. فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي لَا يَنَامُ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ، وَمِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ كَفَالَةُ الْأَيْتَامِ، وَالِاهْتِمَامُ بِالْفَقِيرِ، وَمَدُّ يَدِ الْعَوْنِ لِلْمُحْتَاجِينَ. إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ فَقِيرٍ وَاسْتِجَابَةُ دُعَاءِ يَتِيمٍ يَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” «أَيُّما مؤمنٍ أطعَمَ مؤمنًا على جوعٍ أطعمَهُ اللهُ يومَ القيامَةِ مِنْ ثِمارِ الجنَّةِ وأيُّما مؤمِنٍ سقَى مؤمنًا علَى ظمإٍ سقاهُ اللهُ يومَ القيامَةِ مِنَ الرحيقِ المختومِ وأيُّما مؤمِنٍ كسا مؤمنًا علَى عُرْيٍ كساهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجنةِ» يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتَذَكَّرَ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ وَنَعْكِسَهَا فِي تَعَامُلِنَا مَعَ النَّاسِ.
وَمُنْذُ سَنَوَاتٍ تَقُومُ جَمْعِيَّتُنَا بِتَنْظِيمِ مَشَارِيعِ الْمُسَاعَدَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْأَضَاحِيِّ بِنَجَاحٍ، وَهَذَا الْعَامَ أَيْضًا نَسْتَقْبِلُ أَضَاحِيَّكُمْ. فَيُمْكِنُكُمْ أَنْ تُوَكِّلُوا جَمْعِيَّتَنَا فِي ذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ وَالتَّبَرُّعِ بِهَا وَتَنْشُرُوا رُوحَ التَّكَافُلِ وَالْعَطَاءِ بَيْنَ الْمُحْتَاجِينَ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ الْمُوَافِقُ السَّادِسَ وَالْعِشْرُونَ مَارِسَ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ. وَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ». فَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ يَكُونُ الْحُجَّاجُ وَاقِفِينَ عَلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ، يُفَكِّرُونَ فِي غَايَةِ وُجُودِهِمْ وَيَعِيشُونَ مَشْهَدًا يُذَكِّرُهُمْ بِيَوْمِ الْحَشْرِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى. وَبِهَذَا الْوَقْتِ يَتَحَوَّلُ النَّدَمُ إِلَى تَوْبَةٍ وَدُعَاءٍ، وَكُلُّ الْحُجَّاجِ يَدْعُونَ اللَّهَ رَجَاءَ الْقَبُولِ وَالرَّحْمَةِ وَدَعْوَةٍ فِي حَجٍّ مَبْرُورٍ وَذَنْبٍ مَغْفُورٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَقَبَّلَ حَجَّ إِخْوَانِنَا، وَأَنْ يَسْتَجِيبَ دُعَاءَهُمْ، وَيَجْعَلَ لَنَا نَصِيبًا مِنْ دَعَوَاتِ يَوْمِ عَرَفَةَ.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
وَلَا نَنْسَى أَنْ نَبْدَأَ بِالتَّكْبِيرَاتِ ابْتِدَاءً مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَتَسْتَمِرُّ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ لِلْعِيدِ، نُكَبِّرُ بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً: «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ». وَهَذَا عَلَى كُلِّ مَنْ يُصَلِّي سَوَاءً كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ خَلْفَ الْإِمَامِ أَوْ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً. فَلْنُعَظِّمْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَيَّامِ الْعِيدِ بِالتَّكْبِيرِ وَالذِّكْرِ، وَلْنَسْتَقْبِلْ أَيَّامَ الْعِيدِ بِفَرَحٍ وَسُرُورٍ.











