خطبة

الحضارة الإسلامية وقيمها

06.08.2026
Mimber Lambalar

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

لَقَدْ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ وَجَعَلَهُ أَشْرَفَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ بِفِطْرَةِ حُبِّ الْعَيْشِ مَعَ النَّاسِ وَالتَّعَامُلِ مَعَهُمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَعْظَمَ ابْتِلَاءَاتِهِ وَاخْتِبَارَاتِهِ فِي إِطَارِ الْمُجْتَمَعِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ اُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيّٖنَ مُبَشِّرٖينَ وَمُنْذِرٖينَۖ وَاَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فٖيمَا اخْتَلَفُوا فٖيهِۜ﴾. إِنَّ دِينَنَا الْحَنِيفَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْفَرْدِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ يُنَظِّمُ عَلَاقَةَ الْإِنْسَانِ بِرَبِّهِ وَبِنَفْسِهِ وَبِمَنْ حَوْلَهُ. وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ لِيُقِيمَ مُجْتَمَعًا يَسُودُهُ الْأَمْنُ وَالْعَدْلُ وَالرَّحْمَةُ. كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَهْتَمُّ بِجَانِبٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، بَلْ يُغَذِّي رُوحَهُ بِالْإِيمَانِ، وَيُهَذِّبُ أَخْلَاقَهُ، وَيَحْفَظُ عَقْلَهُ بِالْعِلْمِ، حَتَّى يَعِيشَ حَيَاةً طَيِّبَةً وَيَنَالَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى.

 

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

إِنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الْحَضَارَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ. وَالْعَدْلُ يَعْنِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَأَنْ يُجْتَنَبَ الظُّلْمُ، وَأَنْ يَلْتَزِمَ الْإِنْسَانُ بِالْحَقِّ وَالِاسْتِقَامَةِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَلِهَذَا يَأْمُرُنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي قَوْلِهِ الْكَرِيمِ، وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي نَقْرَؤُهَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ :﴿اِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْاِحْسَانِ وَاٖيتَٓائِ۬ ذِي الْقُرْبٰى وَيَنْهٰى عَنِ الْفَحْشَٓاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَإِذَا سَادَ الْعَدْلُ فِي الْمُجْتَمَعِ، شَعَرَ النَّاسُ بِالْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَانْتَشَرَتِ الثِّقَةُ بَيْنَهُمْ. لِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَلْتَزِمَ بِالْعَدْلِ دَائِمًا، وَأَلَّا يَمْنَعَهُ هَوًى أَوْ مَصْلَحَةٌ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ.

 

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُسُسِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا الْحَضَارَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ أَيْضًا الرَّحْمَةُ. قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: «من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ ومن لا يغفِرْ لا يُغْفَرْ له»، لِيَغْرِسَ فِي قُلُوبِنَا أَهَمِّيَّةَ هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ. وَتَتَحَقَّقُ الرَّحْمَةُ بِرِعَايَةِ الْيَتِيمِ، وَمُسَاعَدَةِ الْفَقِيرِ، وَاحْتِرَامِ الْكَبِيرِ، وَالرِّفْقِ بِالصَّغِيرِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَلَنْ نَسْتَطِيعَ أَنْ نَبْنِيَ مُجْتَمَعًا مُتَمَاسِكًا وَحَضَارَةً حَقِيقِيَّةً مَا لَمْ تَمْتَلِئْ قُلُوبُنَا بِالرَّحْمَةِ.

كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَيَكْفِي دَلِيلًا عَلَى مَكَانَةِ الْعِلْمِ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَانَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:﴿اِقْرَأْ﴾. وَلَقَدْ بَذَلَ الْمُسْلِمُونَ عَبْرَ التَّارِيخِ جُهُودًا عَظِيمَةً فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَتَرَكُوا لِلْبَشَرِيَّةِ عُلُومًا وَاكْتِشَافَاتٍ وَمُؤَلَّفَاتٍ أَفَادَتِ النَّاسَ فِي شَتَّى الْمَجَالَاتِ. أَمَّا وَاجِبُنَا الْيَوْمَ، فَهُوَ أَنْ نَحْرِصَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَأَنْ نَعْمَلَ بِمَا نَتَعَلَّمُهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ الْعِلْمَ وَسِيلَةً لِإِصْلَاحِ أَنْفُسِنَا وَخِدْمَةِ مُجْتَمَعِنَا.

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ هِيَ جَوْهَرُ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَرُوحُهَا. الصِّدْقُ، وَالْأَمَانَةُ، وَالصَّبْرُ، وَالتَّسَامُحُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، تَرْتَقِي بِالْفَرْدِ، وَتُقَوِّي الْمُجْتَمَعَ، وَتَنْشُرُ الْمَحَبَّةَ وَالثِّقَةَ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ نَبِيُّنَاﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» لذلك ينبغي لنا أن نجعل أخلاق رسول الله ﷺ قدوةً لنا، فنظهرها في حَياتنا.

 وَاعْلَمُوا أَنَّ الْحَضَارَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَا تَقُومُ بِالشِّعَارَاتِ وَلَا بِالْأَقْوَالِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَقُومُ حِينَ نَعِيشُ هَذِهِ الْقِيَمَ فِي وَاقِعِنَا، وَنَعْمَلُ بِهَا، وَنَدْعُو إِلَيْهَا، وَنُحَافِظُ عَلَيْهَا. فَلْنَكُنْ، عِبَادَ اللَّهِ، مِنَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الْعَدْلَ، وَيَتَعَامَلُونَ بِالرَّحْمَةِ، وَيَحْرِصُونَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَيَتَحَلَّوْنَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، حَتَّى تَكُونَ الْحَضَارَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ حَيَّةً فِي سُلُوكِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ قَبْلَ أَقْوَالِهِمْ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ.

Arapça – PDF

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com