خطبة
التَّلَازُمُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِهِ
20.08.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ
فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الْقَادِمِ، سَنَسْتَقْبِلُ لَيْلَةَ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، ذِكْرَى مَوْلِدِ حَبِيبِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. وَالْمَوْلِدُ هُوَ مَوْلِدُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ مِيلَادُهُ فَرْحَةً لِأُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ بِدَايَةً لِأَمَلٍ جَدِيدٍ لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءِ. فَقَدْ أَخْرَجَ اللَّهُ بِهِ الْإِنْسَانِيَّةَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَالْتَقَتِ الْأَرْضُ بِالْوَحْيِ، وَوَصَلَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَاكْتَمَلَ بِذَلِكَ نُزُولُ الْوَحْيِ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ.
لَقَدْ بُعِثَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ الْإِنْسَانُ يَظْلِمُ أَخَاهُ الْإِنْسَانَ، وَيُعَدُّ الْقَوِيُّ هُوَ صَاحِبَ الْحَقِّ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُحْتَقَرُ وَتُهْضَمُ حُقُوقُهَا، وَكَانَ الْأَطْفَالُ يُدْفَنُونَ أَحْيَاءً، وَكَانَتِ الْعَصَبِيَّةُ الْقَبَلِيَّةُ وَالْعُنْصُرِيَّةُ تُمَزِّقَانِ الْمُجْتَمَعَ وَتُفَرِّقَانِ أَفْرَادَهُ. وَلَمْ تَكُنْ مُشْكِلَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ آنَذَاكَ فِي نَقْصِ الْإِمْكَانَاتِ الْمَادِّيَّةِ، بَلْ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُعَرِّفَ النَّاسَ بِرَبِّهِمْ، وَيُذَكِّرَ الْإِنْسَانَ بِقِيمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَيُعِيدَ إِلَى الْأَرْضِ مَعَانِيَ الْعَدْلِ وَالْأَمَانَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْأُخُوَّةِ. وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فٖي رَسُولِ اللّٰهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللّٰهَ وَالْيَوْمَ الْاٰخِرَ وَذَكَرَ اللّٰهَ كَثٖيراًؕ﴾. فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ قُدْوَةً لِأَصْحَابِهِ وَحْدَهُمْ، بَلْ إِنَّ سِيرَتَهُ وَهَدْيَهُ يُمَثِّلَانِ مَنْهَجًا وَقُدْوَةً وَهِدَايَةً شَامِلَةً لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاءُ،
مَضَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَتَطَوَّرَتِ التِّكْنُولُوجْيَا، وَاتَّسَعَتْ مُدُنُنَا، وَأَصْبَحَ الْوُصُولُ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ أَسْهَلَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَضَايَا الْأَسَاسِيَّةَ الَّتِي تُعَانِي مِنْهَا الْبَشَرِيَّةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ. فَمَا زَالَتِ الْحُرُوبُ مُسْتَمِرَّةً، وَمَا زَالَ الْمَلَايِينُ يُهَجَّرُونَ مِنْ أَوْطَانِهِمْ، وَلَا يَزَالُ الْجُوعُ وَالْفَقْرُ يُعَانِي مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. وَتَضْعُفُ الرَّوَابِطُ الْأُسَرِيَّةُ، وَتَتَزَايَدُ مَشَاعِرُ الْوَحْدَةِ، وَأَصْبَحَ الْغَضَبُ وَالْكَرَاهِيَةُ أَمْرًا عَادِيًّا فِي حَيَاتِنَا. لَقَدْ قُلْنَا إِنَّ أَبَا جَهْلٍ قَدْ مَاتَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ؛ بَلْ إِنَّهُ مَا زَالَ مَوْجُودًا، بَلْ أَخَذَ يَجُوبُ الْقَارَّاتِ. وَلِهَذَا، فَإِنَّ الْبَشَرِيَّةَ الْيَوْمَ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَى نَفَحَاتِ الْوَحْيِ الَّتِي تُحْيِي الْقُلُوبَ، وَإِلَى الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي جَسَّدَهَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بَلْ إِنَّ حَاجَتَنَا إِلَيْهَا الْيَوْمَ أَشَدُّ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَفَاضِلُ،
الْيَوْمَ، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ نَبِيٌّ جَدِيدٌ سَيَأْتِي بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنَّ أَعْظَمَ أَمَانَةٍ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَشَرِيَّةِ هِيَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَسُنَّتُهُ الْمُطَهَّرَةُ. وَلِذَلِكَ، عَلَيْنَا أَنْ نُظْهِرَ مَحَبَّتَنَا لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا بِالْكَلَامِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا بِأَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا وَطَرِيقَةِ حَيَاتِنَا. وَإِنَّ الْعَلَاقَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي نَبْنِيهَا مَعَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْتَبِطَةٌ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا بِعَلَاقَتِنَا بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. فَالْقُرْآنُ، الَّذِي كَانَ أَوَّلَ أَمَانَةٍ تَرَكَهَا لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هُوَ أَسَاسُ أَخْلَاقِهِ وَشَخْصِيَّتِهِ. وَقَدْ سَأَلَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ: «يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينِى عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ). قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ) كَانَ الْقُرْآنَ». وَنَحْنُ، بِوَصْفِنَا مُسْلِمِينَ نَعِيشُ فِي بِلَادٍ يَكُونُ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ أَقَلِّيَّةً، تَقَعُ عَلَى عَاتِقِنَا مَسْؤُولِيَّةٌ كَبِيرَةٌ فِي تَمْثِيلِ الْإِسْلَامِ بِأَفْضَلِ صُورَةٍ. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ سَيَتَعَرَّفُونَ عَلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى دِينِنَا مِنْ خِلَالِنَا قَبْلَ أَنْ يَتَعَرَّفُوا عَلَيْهِمَا مِنْ خِلَالِ الْكُتُبِ. وَلِهَذَا، عَلَيْنَا أَنْ نَبْنِيَ شَخْصِيَّةً مُسْلِمَةً تَتَحَدَّثُ بِلُغَةِ عَصْرِهَا، وَتَفْهَمُ قَضَايَا زَمَانِهَا، وَتَتَمَسَّكُ بِقُوَّةٍ بِمَبَادِئِ الرَّحْمَةِ الَّتِي جَسَّدَهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُظْهِرُ جَمَالَ الْإِسْلَامِ وَأَخْلَاقَهُ فِي تَعَامُلَاتِهَا وَسُلُوكِهَا. فَلَيْلَةُ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَيْلَةٍ عَادِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ فُرْصَةٌ لِتَجْدِيدِ عَهْدِنَا وَارْتِبَاطِنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِعَادَةِ تَذَكُّرِ سِيرَتِهِ وَهَدْيِهِ، وَتَجْدِيدِ عَزْمِنَا عَلَى إِيصَالِ رِسَالَةِ رَحْمَتِهِ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِكِتَابِكَ، وَيَجْعَلُونَ رَسُولَكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُدْوَةً وَدَلِيلًا لَهُمْ، وَيُمَثِّلُونَ أَخْلَاقَهُ الْكَرِيمَةَ بِلُغَةِ عَصْرِهِمْ، وَيُسَاهِمُونَ فِي إِيصَالِ رِسَالَةِ الرَّحْمَةِ إِلَى الْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ خَيْرًا وَبَرَكَةً عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. آمِينَ.











