خطبة

– الْحُكْمُ الْمُسْبَقُ وَالسَّلَامُ الِاجْتِمَاعِيُّ

15.10.2026
Kuran Tesbih Kırmızı

 أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ دِينَنا الْإِسْلَامِيَّ الْحَنِيفَ دِينٌ يَجْمَعُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، وَيَقُومُ عَلَى الْأُخُوَّةِ لَا الْعَدَاوَةِ، وَعَلَى الرَّحْمَةِ لَا الْكَرَاهِيَةِ. وَإِنَّ السَّلَامَ الِاجْتِمَاعِيَّ لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ غِيَابِ الْحُرُوبِ أَوِ النِّزَاعَاتِ، بَلْ إِنَّ السَّلَامَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ يَسُودَ بَيْنَ النَّاسِ الشُّعُورُ بِالثِّقَةِ الْمُتَبَادَلَةِ، وَأَنْ تَتَحَقَّقَ الْعَدَالَةُ، وَأَنْ تُقَابَلَ الِاخْتِلَافَاتُ بِالِاحْتِرَامِ، وَأَنْ يَشْعُرَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِالْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. وَإِنَّ بِنَاءَ مُجْتَمَعٍ كَهَذَا يَبْدَأُ بِإِرْسَاءِ الْقَوَانِينِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ وَلَا يَتَرَسَّخُ إِلَّا بِحُسْنِ الْأَخْلَاقِ. وَمِنْ أَعْظَمِ أَعْدَاءِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْأَحْكَامُ الْمُسْبَقَةُ.

 

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

‎ إِنَّ الْحُكْمَ الْمُسْبَقَ هُوَ أَنْ يُصْدِرَ الْإِنْسَانُ حُكْمًا عَلَى غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، وَأَنْ يُكَوِّنَ رَأْيًا دُونَ التَّثَبُّتِ مِنَ الْحَقِيقَةِ، وَأَنْ نَحْكُمَ عَلَى الْإِنْسَانِ بِنَاءً عَلَى اسْمِهِ، أَوْ أَصْلِهِ، أَوْ لُغَتِهِ، أَوْ مَذْهَبِهِ، أَوْ مَظْهَرِهِ الْخَارِجِيِّ، أَوِ الْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا. غَيْرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُقَيِّمُ الْإِنْسَانَ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ عَلَى أَخْلَاقِهِ، وَتَقْوَاهُ، وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ. فَالْأَحْكَامُ الْمُسْبَقَةُ حِجَابٌ يَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَقِيقَةِ، وَمَا دَامَ هَذَا الْحِجَابُ قَائِمًا، فَلَنْ تَتَحَقَّقَ الْعَدَالَةُ، وَلَنْ تَتَرَسَّخَ الْأُخُوَّةُ، وَلَنْ يَدُومَ السَّلَامُ وَالِاسْتِقْرَارُ فِي الْمُجْتَمَعِ.

 

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

‎ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَنْهَانَا عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْآخَرِينَ، وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿يَٓا اَيُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَاُنْثٰى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَـبَٓائِلَ لِتَعَارَفُواؕ…﴾ ‎ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ اخْتِلَافَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ إِنَّمَا هُوَ سَبِيلٌ لِلتَّعَارُفِ وَالتَّآلُفِ، وَمَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَإِنَّ اخْتِلَافَاتِنَا هِيَ مِنْ آثَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظِيمِ صُنْعِهِ، كَمَا أَنَّ اخْتِلَافَ أَلْسِنَتِنَا وَأَلْوَانِنَا مِنْ دَلَائِلِ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

يَعِيشُ الْعَالَمُ الْيَوْمَ، فِي عَصْرٍ أَصْبَحَ فِيهِ الْوُصُولُ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ أَيْسَرَ مَا يَكُونُ، وَمَعَ ذَلِكَ مِنْ أَصْعَبِ الْمَرَاحِلِ فِي فَهْمِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَإِنَّ الِادِّعَاءَاتِ الْكَاذِبَةَ، وَالْأَحْكَامَ الْمُسْبَقَةَ، وَالْخِطَابَاتِ الَّتِي تَنْتَشِرُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَوَسَائِلِ الْإِعْلَامِ، تُضْعِفُ الثِّقَةَ بَيْنَ النَّاسِ. إِنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْإِنْسَانِ دُونَ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ، أَوْ تَحْمِيلَ جَمَاعَةٍ بِأَكْمَلِهَا مَسْؤُولِيَّةَ أَخْطَاءِ بَعْضِ أَفْرَادِهَا، أَوِ اسْتِبْعَادَ أَصْحَابِ الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، كُلُّ ذَلِكَ يُهَدِّدُ أُسُسَ السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ وَيُضْعِفُهَا. كَمَا أَنَّ التَّعَصُّبَ وَالتَّطَرُّفَ وَالْخِطَابَ الَّذِي يُقْصِي الْآخَرِينَ وَيُشْعِرُهُمْ بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ، يَبْنِي جُدْرَانًا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ بَيْنَ الْقُلُوبِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ لَيْسَ مِمَّنْ يَبْنُونَ الْجُدْرَانَ بَيْنَ النَّاسِ، بَلْ هُوَ مِمَّنْ يَمُدُّونَ جُسُورَ التَّوَاصُلِ وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَهُمْ.

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‎«إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا». إِنَّ الْإِيمَانَ الْحَقَّ يَكْتَمِلُ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ، وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَاحْتِرَامِ كَرَامَتِهِمْ وَحِمَايَتِهَا.

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

‎ إِنَّ السَّلَامَ الِاجْتِمَاعِيَّ لَا يَتَرَسَّخُ بِالْخُطَبِ وَالشِّعَارَاتِ، بَلْ يَقْوَى بِالْجُهُودِ الصَّغِيرَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي نَبْذُلُهَا فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ. فَإِلْقَاءُ السَّلَامِ، وَإِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالِاسْتِمَاعُ بِصَبْرٍ إِلَى مَنْ يُخَالِفُنَا فِي الرَّأْيِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْعَدْلِ، وَاسْتِقْبَالُ النَّاسِ بِحُسْنِ النِّيَّةِ بَدَلًا مِنْ إِصْدَارِ الْأَحْكَامِ الْمُسْبَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الرَّكَائِزِ الْأَسَاسِيَّةِ لِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ يَسُودُهُ الْأَمْنُ وَالطُّمَأْنِينَةُ. فَلْنُعَلِّمْ أَبْنَاءَنَا الْعَدْلَ وَالرَّحْمَةَ، لَا الْحِقْدَ وَالتَّفْرِقَةَ، وَلْنَحْرِصْ عَلَى بِنَاءِ عَلَاقَاتٍ قَائِمَةٍ عَلَى الثِّقَةِ مَعَ جِيرَانِنَا، وَزُمَلَائِنَا فِي الْعَمَلِ، وَالنَّاسِ مِنْ مُخْتَلَفِ الثَّقَافَاتِ. فَإِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَنْشُدُهُ الْإِسْلَامُ لَيْسَ مُجْتَمَعًا يَخَافُ فِيهِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، بَلْ هُوَ مُجْتَمَعٌ يَثِقُ فِيهِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.

 نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ يُحَكِّمُونَ الْحَقِيقَةَ بَدَلًا مِنَ الظُّنِ، وَالْحِكْمَةَ بَدَلًا مِنَ التَّعَصُّبِ، وَالرَّحْمَةَ بَدَلًا مِنَ الْغَضَبِ، وَالْأُخُوَّةَ بَدَلًا مِنَ الْفُرْقَةِ. آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 

خُطبة – بالعربية

خُطبة – بالتركية

خُطبة – بالألمانية

خُطبة – بالإنجليزية

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com