خطبة

اَلْعَادَاتُ الْمُضِرَّة

25.11.2021
Tesbih Yeşil Siyah

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِنِعَمٍ كَثِيرَة. وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ تُعْتَبَرُ أَمَانَةً عِنْدَ الْعَبْدِ، يُسْأَلُ عَنْهَا وَيُحَاسَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَة. فَالْحَيَاةُ الَّتِي نَتَمَتَّعُ بِهَا أَمَانَة، وَالْأَمْوَالُ الَّتِي نَمْتَلِكُهَا أَمَانَة، وَصِحَّتُنَا وَأَوْلَادُنَا كُلُّ ذَلِكَ أَمَانَةٌ عِنْدَنَا. وَالْمُؤْمِنُونَ فَوْقَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَسْؤُولُونَ عَنْ بَعْض. وَأَهَمُّ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ نِعْمَتَا اَلْحَيَاةِ وَالصِّحَّة. فَإِنَّنَا لِكَيْ نَقْدِرَ عَلَى الْقِيَامِ بِوَاجِبِ الْعُبُودِيَّةِ تِجَاهَ رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، نَحْتَاجُ إِلَى بَدَنٍ صَحِيحٍ سَلِيْمٍ وَإِلَى رُوْحٍ صَافٍ. وَلاَ بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ تَغْذِيَةِ الْبَدَنِ وَالرُّوحِ بِطَرِيقَةٍ صَحِيحَة. وَسَبِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنْ نَسْتَخْدِمَ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا فِيمَا مُنِحَتْ مِنْ أَجْلِهَا وَأَنْ نَصْرِفَهَا إِلَى الْهَدَفِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

إِنَّنَا قَدِ اعْتَدْنَا عَلَى اسْتِخْدَامِ بَعْضِ الْوَسَائِلِ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّة، مِثْلَ التِّلْفَازِ وَالْإِنْتَرْنَتْ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْاِجْتِمَاعِيِّ وَالْحَوَاسِيبِ وَالْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّة، وَأَصْبَحْنَا نَعْتَمِدُ عَلَيْهَا اعْتِمَادًا قَوِيًّا. إِلَى دَرَجَةِ أَنَّ حَاجَةَ بَعْضِ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ أَصْبَحَتْ تَمَامًا مِثْلَ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاء. أَجَلْ، هَذِهِ الْوَسَائِلُ تُسَهِّلُ عَلَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأُمُور. فَهِي تُقَرِّبُ لَنَا الْبَعِيد، وَتُسَاعِدُنَا عَلَى إِنْهَاءِ بَعْضِ أُمُورِنَا بِسُهُولَةٍ وَسُرْعَة، وَتُزَوِّدُنَا عِلْمًا بِمَا يَحْدُثُ وَيَدُورُ فِي الْعَالَم. وَلَكِنْ حِينَمَا يَخْرُجُ الْوَاحِدُ عَنِ اسْتِخْدَامِهَا اَلِاسْتِخْدَامَ الصَّحِيح، تَنْقَلِبُ هَذِه الْوَسَائِلُ إِلَى أَدَوَاتِ إِضْرَارٍ وَإِفْسَاد، وَتَنَالُ مِنْ سَلاَمَتِنَا النَّفْسِيَّةِ وَتُؤَثِّرُ عَلَى حَالَتِنَا الرُّوحِيَّةِ بِشَكْلٍ سَيِّءٍ جِدًّا. وَإِذَا لَمْ تُرَاعَ ضَوَابِطُ الْاِسْتِخْدَامِ الصَّحِيحِ لِهَذِهِ الْوَسَائِلِ، فَإِنَّهَا مَعَ الزَّمَنِ تَتَحَوَّلُ إِلَى عَادَاتٍ مُضِرَّة. بَلْ قَدْ يَصِلُ الْأَمْرُ إِلَى دَرَجَةِ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا. وَتَعْلَمُونَ جَمِيعًا كَمْ هُوَ صَعْبٌ أَنْ يَتَخَلَّصَ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرٍ قَدِ اعْتَادَ عَلَيْهَا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَة.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

مَتَى يَجِبُ أَنْ نَعْتَبِرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى عَادَاتٍ سَيِّئَةٍ ومُضِرَّة؟ إِنَّنَا مَتَى اسْتَشْعَرْنَا بِأَنَّ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ صَارَتْ هِيَ الَّتِي تُوَجِّهُنَا وَتَتَحَكَّمُ فِينَا، فَلْنَعْلَمْ حِينَئِذٍ أَنَّا قَدْ دَخَلْنَا ِفي مَرْحَلَةِ الْاِعْتِيَادِ أَوِ الْإِدْمَان. وَمَا دَامَ أَنَّ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ وَالْوَسَائِلَ لاَ تَتَمَتَّعُ بِإِرَادَةٍ ذَاتِيَّة، فَإِنَّ السَّبَبَ إِذَنْ وَرَاءَ تَحَكُّمِهَا فِينَا هُوَ وُجُودُ ضَعْفٍ فِي إِرَادَتِنَا نَحْنُ. فَإِذَا كُنَّا نَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ عَلَى أَنْفُسِنَا فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْ سَبَبِ هَذِهِ الْأَزْمَةِ فِي أَنْفُسِنَا نَحْنُ، لاَ فِي الْأَدَوَاتِ وَالْوَسَائِل. وَإِنَّ السَّبَبَ الْأَكْبَرَ فِي تَحَوُّلِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ إِلَى مَقَاصِدَ لَدَيْنَا، هُوَ اِفْتِقَادُنَا لِلْمَقَاصِدِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي حَيَاتِنَا. وَمَتَى ابْتُلِيَ الْوَاحِدُ بِفُقْدَانِ الْغَرَضِ وَالْمَقْصَدِ فِي الْحَيَاةِ، فَمَا أَيْسَرَ أَنْ يَنْهَمِكَ فِي هَذِهِ الْوَسَائِلِ يَلْعَبُ فِيهَا الْأَلْعَابَ، وَيَجُولُ الصَّفَحَاتِ، وَيُشَاهِدُ الْفِيدْيُوهَات، مِنْ غَيْرِ مُبَالاَةٍ بِمَا إِذَا كَانَتْ تَحْتَوِي عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ أَخْلاَقِيٍّ أَوْ لاَ، وَيُعَلِّقُ عَلَى مُشَارَكَاتِ النَّاسِ، وَيَتَنَاقَشُ مَعَ هَذَا، وَيَغْتَابُ ذَاك، وَهَكَذَا يُضَيِّعُ أَوْقَاتَهُ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ بِشَكْلٍ مِنَ الْأَشْكَال. وَلَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ مِثْلِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حِينَ قَالَ عَزَّ وَجَلّ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدٖيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۚ وَأَحْسِنُوا ۚ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنٖين﴾.[1]

فَلاَ بُدَّ عَلَيْنَا -مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- أَنْ نَكُونَ حَذِرِينَ فِيمَا يَمَسُّ سَلاَمَتَنَا، وَأَلاَّ نَغْفَلَ عَنْ تَغْذِيَةِ أَرْوَاحِنَا بِمَا يُصْلِحُهَا. وَأَنْ نَحْرِصَ عَلَى مَلْءِ فَرَاغِنَا بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ الْمُفِيدَةِ، كَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَالْقِيَامِ بِالْعِبَادَاتِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَقَضَاءِ الْوَقْتِ مَعَ أَصْحَابٍ صَالِحِين. وَعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَعْمِلَ وَنُكَرِّسَ تِلْكَ الْأَدَوَاتِ وَوَسَائِلَ التَّوَاصُلِ فِي هَذَا السَّبِيل.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

إِنَّ هَذَا الْكَيَانَ الَّذِي مَنَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى كُلاَّ مِنَّا وَالْحَيَاةَ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا نِعَمٌ عَظِيمَةٌ وَحَسَّاسَة. فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَهَا بِحَذَرٍ وَدِقَّة، تَمَامًا كَمَا نَكُونُ حَذِرِينَ حِينَمَا نَتَعَامَلُ مَعَ جِهَازٍ حَسَّاسٍ جِدًّا. وَإِنَّ ضَرَرَ الْعَادَاتِ السَّيِّئَةِ عَلَى كَيَانِنَا هَذَا عَظِيمٌ وَخَطِير. فَلْنَحْذَرْ مِنْ إِفْسَادِ هَذِهِ النِّعَمِ بِإِسَاءَةِ اسْتِخْدَامِ الْوَسَائِلِ اَلَّتِي سَخَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَنَا. وَحَتَّى لاَ نَقَعَ فَرِيسَةً لِهَذِهِ الْأَدَوَاتِ، لاَ بُدَّ لَنَا أَنْ نُجَدِّدَ عَهْدَنَا بِمَقْصَدِنَا مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَنَظَلَّ عَلَى ذِكْرٍ مِنْهُ، وَأَنْ نَبْقَى عَلَى صِلَةٍ بِكُلِّ مَا يُسَاعِدُ هَذَا الْمَقْصِد. يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ؐ: «اَلمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيف».[2] فَلْنُحَافِظْ عَلَى أَمَانَاتِنَا وَلْنَكُنْ مُؤْمِنِينَ أَقْوِيَاءَ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فَطَرَنَا عَلَيْهَا، وَأَنْ يَحْفَظَنَا وَنَسْلَنَا مِنْ مَصَائِبِهَا. إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْه. آمِين.

[1] سورة البقرة: ١٩٥

[2] صحيح مسلم، كتاب القدر، ٨

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ٢٦\١١\٢٠٢١ – اَلْعَادَاتُ الْمُضِرَّة

[supsystic-social-sharing id="1"]