خطبة

خطبة الجمعة ١١\٦\٢٠٢١ الإحسان بالوالدين

11.06.2021
Rahle Kur'an

يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ المُحْتَرَمُون،

يُولَدُ كُلُّ إِنْسَانٍ كَوَلَدِ غَيْرِه. وَيَرْتَحِلُ أَكْثَرُهُمْ إِلَى الآخِرَةِ وَقَدْ أَصْبَحُوا آبَاءً وَأُمَّهَات. فَكُلُّ وَلَدٍ مُرَشَّحٌ لِلْأُبُوَّةِ، وَكُلُّ أَبٍ وَأُمٍّ وَلَدٌ مِنْ وَجْه.

وَحِينَمَا يَقُصُّ لَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ قِصَّةَ الخَلْقِ وَتَارِيخَ الإِنْسَانِ يَذْكُرُ كَثِيرًا مِنَ الأَفْرَادِ وَالعَائِلَاتِ أُسْوَةً لَنَا وَحَيَاتِنَا. فَكُلُّ الأَمْثِلَةِ المَذْكُورَةِ فِي القُرْآنِ دَلِيلٌ لَنَا حَتَّى نَتَمَكَّنَ مِنْ تَنْظِيمِ حَيَاتِنَا عَلَى النَّمْطِ الَّذِي يُرِيدُهُ مِنَّا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلّ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ الأَعِزَّاء،

فَقَدْ اُبْتُلِيَ إِبْرَاهِيمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِأَبِيهِ آزَرَ الَّذِي أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَرَدِّ التَّوْحِيد. فَبِالرُّغْمِ مِمَّا لَقِيَهُ إِبْرَاهِيمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ قَوْمِهِ عَامَّةً وَأَبِيهِ خَاصَّةً، قَدْ ثَبَتَ عَلَى قَوَاعِدِ الِاحْتِرَامِ وَالمَوَدَّةِ بِلِسَانٍ رَحِيمٍ حِينَ خَاطَبَ أَبَاهُ بِقَوْلِهِ ﴿يَا أَبَتِ﴾.

وَمِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ خَاصَّةً لِإِحْسَانِهِمْ بِوَالِدَيْهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ يَحْيَى (عَلَيْهِ السَّلَام). قَالَ فِيهِ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَاٰتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِياًّ ❊ وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكٰوةً ط وَكَانَ تَقِياًّ ❊ وَبَراًّ بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِياًّ﴾[1] فَالأَنْبِيَاءُ قُدْوَةٌ لَنَا حَتَّى فِي هٰذِهِ المَسَائِل. فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ»[2]

إِخْوَتِي الكِرَام،

قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾[3] فَأَكَّدَ رَبُّنَا تَعَالَى أَهَمِّيَّةَ الإِحْسَانِ بِالوَالِدَيْنِ بِأَنْ ذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِالأَمْرِ بِالتَّوْحِيد.
وَأَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانٖي صَغٖيراً﴾

إِنَّ ذَاكِرَةَ الإِنْسَانِ مَعْلُولَةٌ بِالنِّسْيَان. فَقَدْ يَنْسَى مَا رَآهُ مِنْ إِحْسَانٍ مِنْ قِبَلِ وَالِدَيْه. لِأَجْلِ ذٰلِكَ يَكُونُ هٰذَا التَّنْبِيهُ مُهِمًّا جِدًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا. فَوَظِيفَةُ كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَقُومَ بِمُقْتَضَى الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالإِحْسَانِ بِوَالِدَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُمَا.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ الفُضَلَاء،

إِنَّ طَاعَةَ الوَالِدَيْنِ وَاجِبَةٌ مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ أَمْرٍ مُضِرّ. حَتَّى َجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ. فَقَالَ ﷺ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: “نَعَمْ‏.”‏ قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِد!» [4]

وَتَأَسَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ لِيَنَالَ رِضَا وَالِدَيْهِ فَإِنَّهُ عَلِمَ بِأَنَّهُ مِفْتَاحٌ لِلْجَنَّة.

نَذْكُرُ مَوْقِفَ الأُمِّ خَاصَّةً فَإِنَّهَا تَحْمِلُ وَلَدَهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ بِكُلِّ مَا فِي الحَمْلِ مِنَ المَشَقَّة. لِذٰلِكَ أَكَّدَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مَوْقِفَ الأُمِّ خَاصَّةً حِينَ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟” قَالَ ﷺ: «أُمُّك» قَالَ: “ثُمَّ مَنْ؟” قَالَ: «أُمُّك» قَالَ: “ثُمَّ مَنْ؟” قَالَ: «أُمُّك» قَالَ: “ثُمَّ مَنْ؟” قَالَ: «ثُمَّ أَبُوك»[5]

فَلْنَلْتَفِتْ إِلَى وَالِدِينَا بِإِحْسَانٍ، وَلْنُفْرِحْهُمْ وَلْنَخْدُمْهُمْ حَتَّى يَرْضَوْا عَلَيْنَا. وَلْنَخْتِمْ خُطْبَتَنَا اليَوْمَ بِالدُّعَاءِ العَظِيمِ الَّذِي نَقْرَأُهُ يَوْمِيًّا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾[6] آمين

[1] سورة مريم:١٢-١٤
[2] جامع التّرمذيّ، كتاب البرّ، ٣، رقم الحديث (١٨٩٩)
[3] سورة الإسراء:٢٣
[4] رواه الطّبرانيّ فِي المعجم الأسط (انظر الهيثمي: مجمع الزّيائد ٢٣٥\٥)
[5]  صحيح البخاري، كتاب الأدب، ٢، رقم الحديث (٥٩٧١)؛ صحيح مسلم، كتاب البر، ١، رقم الحديث (٢٥٤٨)
[6] سورة إبراهيم:٤١

20210611 Hutba-Arabisch