خطبة

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ١\١٠\٢٠٢١ – مَا الَّذِي تُمَثِّلُهُ الْمَسَاجِد؟

30.09.2021
Takka Tasbih Holz

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ الْمَكَانُ ذُو الْهَيْئَةِ الْخَاصَّةِ بِه، اَلَّذِي يَتَعَبَّدُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ جَمَاعَةً وَيُصَلُّونَ فِيه، وَالَّذِي يَتِمُّ فِيهِ تَعْلُّمُ الدِّينِ وَتَعْلِيمُه، وَعَيْشُ الْإِسْلَامِ وَإِحْيَاؤُه. فَإِنَّ بِبِنَاءِ الرَّسُولِ ؐ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَصْبَحْتْ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ مَعَهُ تُشَكِّلُ الْمَرْكَزَ لِحَيَاةِ الْمُسْلِمِين. وَظَلَّتِ الْمَسَاجِدُ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ تُمَثِّلُ الْأَمَاكِنَ الَّتِي يُتَلَقَّى فِيهَا الدِّينُ وَالْأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ وَآدَابُ الْمُعَاشَرَةِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ، وَالَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْأَفْرَاحُ وَالْأَعْرَاسُ، كَمَا تُمَثِّلُ مُلْتَقًى لِلْمُسْلِمِينَ أَيَّامَ الْفَرَحِ وَأَيَّامَ الشِّدَّة.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

إِنَّ الْمَسَاجِدَ الَّتِي تُمَثِّلُ فِي سُنَّةِ الرَّسُولِ ؐ دُورَ تَعَلُّمٍ وَمَرَاكِزَ انْصِهارِ الْمُسْلِمِين، لَمْ تَزَلْ هِيَ الْأَمَاكِنُ الْمَرْكَزِيَّةُ وَالْاِجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي تُقْضَى فِيهَا سَائِرُ حَاجَاتِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، وَالَّتِي فِيهَا يُتَحَاوَرُ حَوْلَ الْقَضَايَا اَلَّتِي تَشْغَلُهُم. فَكَانَتِ الْأَسْوَاقُ تُقَامُ حَوْلَ هَذِهِ الْمَراكِز، وَالضُّيُوفُ تُسْتَقْبَلُ فِيهَا، وَإِلَيْهَا يَلْجَأُ النَّاسُ لِإِنْهَاءِ خُصُومَاتِهِم بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ؐ. بَلْ قَدْ كَانَ الرَّسُولُ ؐ يَسْتَقْبِلُ فِي الْمَسْجِدِ اَلْوُفُودَ الَّتِي كَانَتْ تَفِدُ إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ، فَيَكُونُ لِقَاؤُهُ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُحَدِّثُهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، تَظَلُّ الْوَظِيفَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلْمَسَاجِدِ هِيَ إِقَامَةُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِيهَا جَمَاعَةً. وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ تُمَثِّلُ الْمَسَاجِدُ عُمُومًا، وَمَسَاجِدُنَا عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ، مَرَاكِزَ لِقَضَاءِ حَاجَاتِنَا الْاِجْتِمَاعِيَّةِ، وَلِتَعْلِيمِ الْمَوَادِّ الْمَدْرَسِيَّةِ إِلَى جَانِبِ التَّعْلِيمِ الشَّرْعِيّ. وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ مَسَاجِدَنَا فِي أُورُبَّا بَدَأَتْ تَنْهَضُ بِمَهَمَّاتِهَا الْأَسَاسِيَّةِ مِنْ جَدِيدٍ. وَمِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ أَنْ يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِينَا لِيَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّـهَ  فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.[1] فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي نَفْسِهِ، أَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ هَذَا أَمْ لَا، فَإِنْ وَجَدَ نَفْسَهُ خَارِجًا عَنْهُ، فَلْيَجْتَهِدْ لِيَكُونَ مِنْهُم.

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

لَقَدْ بَشَّرَ النَّبِيُّ ؐ مَنْ يَعْمُرونَ الْمَسَاجِدَ، وَيَتَوَلَّوْنَ عِمَارَةَ الْمَسَاجِدِ وَإِحْيَاءَهَا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِمَارَةِ، فَقَالَ ؐ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِى الْجَنَّةِ مِثْلَه».[2] وَمِنَ الْخَطَأِ أَنْ يُفْهَمَ أَنَّ مُرَادَهُ ؐ مِنْ عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ هُوَ عِمَارَتُهَا بِالْبِنَاءِ وَالْإِنْشَاءِ فَقَط. فَإِنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ، وَلَا مَجَالِسُ الْوَعْظِ وَالْإِرْشَادِ، وَلَا يَتِمُّ فِيهِ تَعْلِيمُ النَّاسِ، وَلَا يَحْضُرُهُ الْأَطْفَالُ وَالشَّبَابُ وَالنِّسَاءُ، وَلَا يُرَحَّبُ فِيهِ بِالضُّيُوفِ، لَا يُمْكِنُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِدَوْرِهِ الْأَسَاسِيِّ كَمَسْجِد.

فَيَنْبَغِي أَلَّا نَنْسَى بِأَنَّنَا مُكَلَّفُونَ بِإِعْمَارِ الْمَسَاجِدِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، تَمَامًا كَمَا أَنَّنَا مُكَلَّفُونَ بِإِعْمَارِهَا مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَادِّيَّة.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

مُنْذُ 25 (خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ) سَنَةٍ، يُنَظَّمُ فِي أَلْمَانِيَا فِي يَوْمِ 3 (ثَلَاثَة) أُكْتُوبَرْ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، يَوْمُ الْمَسَاجِدِ الْمَفْتُوحَة. وَتَفْتَحُ مَسَاجِدُنَا أَبْوَابَهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ لِزُوَّارِهَا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِين. وَفِي هَذَا الْإِطَارِ يَفْتَحُ يَوْمَ الْأَحَدِ الْقَادِم، مَا يَقْرُبُ مِنْ 1000 (أَلْفِ) مَسْجِدٍ أَبْوَابَهَا فِي أَلْمَانِيَا، كَمَا يَفْتَحُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ قُلُوبَهُم.

إِنَّ يَوْمَ الْمَسَاجِدِ الْمَفْتُوحَةِ أَصْبَحَ مِنْ أَنْشِطَةِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون. يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَقِرَّ عَادَةُ اسْتِقْبَالِ الْمَسَاجِدِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ أُسْبُوعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، لِتَعْرِيفِهِمْ عَلَى الْمَسْجِدِ وَعَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَلِلْإِجَابَةِ عَلَى أَسْئِلَتِهِم.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنِ الْتَزَمُوا بِالْإِسْلَامِ وَمَثَّلُوهُ عَلَى أَحْسَنِ وَجْه، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. آمِين.

[1] سورة التوبة: 18

[2] صحيح مسلم، كتاب الزهد، الحديث رقم (7471)

 

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ١\١٠\٢٠٢١ – مَا الَّذِي تُمَثِّلُهُ الْمَسَاجِد؟