خطبة

البخاري، الأذان، ٩؛ مسلم، الصلاة، ١٢٩

23.07.2026
Rahle Kur'an

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

يَسْمَعُ مِلْيَارَاتُ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ أَصْوَاتًا مُخْتَلِفَةً، فَمِنْهَا مَا يَدْعُو إِلَى التِّجَارَةِ، وَمِنْهَا مَا يَدْعُو إِلَى اللَّعِبِ وَالتَّرْفِيهِ، وَمِنْهَا مَا يَشْغَلُ النَّاسَ بِالْمَشْيِ خَلْفَ أُمُورِ الدُّنْيَا. وَلَكِنْ مِنْ بَيْنِ كُلِّ تِلْكَ الْأَصْوَاتِ صَوْتٌ ظَلَّ عَبْرَ الْقُرُونِ يُوقِظُ الْقَلْبَ، وَيُحْيِي الرُّوحَ، وَيَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى رَبِّهِ، أَلَا وَهُوَ صَوْتُ الْأَذَانِ. فَالْأَذَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِعْلَانٍ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، بَلْ هُوَ نِدَاءُ التَّوْحِيدِ، وَدَعْوَةُ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَحَدُ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْهُوِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ فَالْأَذَانُ وَالصَّلَاةُ مِعْيَارٌ يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَهُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ نِدَاءٌ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَلِلْكَافِرِينَ امْتِحَانٌ يَكْشِفُ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

إِنَّ حَدَثَ تَشْرِيعِ الْأَذَانِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ حَدَثٌ عَظِيمٌ مَلِيءٌ بِالْعِبَرِ وَالدُّرُوسِ. ازْدَادَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَبُنِيَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ وَسِيلَةٌ يُدْعَى بِهَا النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ. تَشَاوَرَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَيَّامًا، وَطُرِحَتِ اقْتِرَاحَاتٌ مِثْلُ دَقِّ النَّاقُوسِ أَوِ النَّفْخِ فِي الْبُوقِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ شِعَارًا يُمَيِّزُهَا عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ. فَرَأَى الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَنَامِهِ الْأَذَانَ، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهَا رُؤْيَا حَقٍّ، وَأَمَرَ بِلَالَ بْنَ رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَرْفَعَ بِهَا الْأَذَانَ. وَحِينَ ارْتَفَعَ أَوَّلُ أَذَانٍ فِي سَمَاءِ الْمَدِينَةِ، لَمْ يَبْدَأْ مُجَرَّدُ نِدَاءٍ لِلصَّلَاةِ، بَلْ بَدَأَ صَوْتُ الْإِيمَانِ الَّذِي سَيَظَلُّ يَتَرَدَّدُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

لَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَضْلَ الْأَذَانِ فَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالﷺ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَقَدْ فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ سَيَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَصْحَابَ مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ وَشَرَفٍ عَظِيمٍ. وَقَالَ ﷺ أَيْضًا: «لا يسمَعُ مدى صوتِ المؤذِّنِ جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيءٌ، إلَّا شَهدَ لَه يومَ القيامَةِ…» تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ! إِنَّ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ لَا يَبْلُغُ آذَانَ الْبَشَرِ فَحَسْبُ، بَلْ يَكُونُ شَهَادَةً تَشْهَدُ لَهُ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْكَوْنُ بِأَسْرِهِ.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

لَمْ يَكُنِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَكْتَفُونَ بِسَمَاعِ الْأَذَانِ، بَلْ كَانُوا يَعِيشُونَ مَعَانِيَهُ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فِي مَنَامِهِ، أَسْرَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ مِثْلَ مَا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَهَكَذَا تَوَحَّدَتْ قُلُوبُ الصَّحَابَةِ عَلَى نَفْسِ الْأَذَانِ.

 وَهُنَاكَ مَوْقِفٌ مُؤَثِّرٌ وَقَعَ بَعْدَ سَنَوَاتٍ؛ فَعِنْدَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَادَرَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَدِينَةَ، وَلَمْ يَرْفَعِ الْأَذَانَ مُدَّةً طَوِيلَةً. ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ بِنَاءً عَلَى طَلَبٍ مِنَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَأَذَّنَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ: “أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ” ظَنَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَادَ إِلَيْهِمْ، وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ بِالشَّوْقِ، وَانْهَمَرَتْ دُمُوعُهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا الصَّوْتَ لَمْ يَكُنْ يُذَكِّرُهُمْ بِالصَّلَاةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يُذَكِّرُهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

مِنَ السُّنَّةِ إِذَا سَمِعَ الْمُسْلِمُ الْأَذَانَ أَنْ يُنْصِتَ إِلَيْهِ، وَيُرَدِّدَ أَلْفَاظَهُ مَعَ الْمُؤَذِّنِ، ثُمَّ يَدْعُوَ بِالدُّعَاءِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا سَمِعْتُم المؤذنَ فقولوا مثلَ ما يقولُ»، ثُمَّ بَشَّرَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الْأَذَانِ مُسْتَجَابٌ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَلْنَجْعَلِ الْأَذَانَ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ صَوْتٍ نَسْمَعُهُ. مَعَ كُلِّ «اللَّهُ أَكْبَرُ» نَتَأَمَّلُ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَمَعَ كُلِّ «حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» نَسْتَشْعِرُ أَنَّ رَبَّنَا يَدْعُونَا إِلَى الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَمَعَ كُلِّ «حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» نُوقِنُ أَنَّ الْفَوْزَ الْحَقِيقِيَّ وَالنَّجَاحَ الْكَامِلَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ. اللَّهُمَّ أَحْيِ قُلُوبَنَا بِمَعَانِي الْأَذَانِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ تَتَعَلَّقُ قُلُوبُهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَآذَانُهُمْ بِالْأَذَانِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِين

خُطبة – بالعربية

خُطبة – بالتركية

خُطبة – بالألمانية

خُطبة – بالإنجليزية

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com