خطبة

بناء الأخلاق القرآنية

02.04.2026
Tesbih Yeşil Siyah

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِتَابٍ يُبَيِّنُ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ هَدْيٌ إِلَهِيٌّ يَهْتَمُّ بِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُجْتَمَعِ، وَالْحَيَاةِ عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ. فَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ لِيُنْشِئَ إِنْسَانًا مُؤْمِنًا صَالِحًا، سَلِيمَ الْفِكْرِ صَالِحَ السُّلُوكِ، وَيُكَوِّنَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادِ مُجْتَمَعًا صَالِحًا، وَأنَّ هَذَا الْبِنَاءَ الْأَخْلَاقِيَّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ الْقُرْآنُ يَقُومُ عَلَى أُسُسٍ رَاسِخَةٍ وَثَوَابِتَ قَوِيَّةٍ.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

إِنَّ أَوَّلَ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَعِنْدَمَا يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ عَبْدٌ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَيُؤْمِنُ بِذَلِكَ إِيمَانًا صَادِقًا، يُصْبِحُ مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا حَقًّا. وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْعَظِيمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذ۪ينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّٰهِ اِلٰهًا اٰخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّت۪ي حَرَّمَ اللّٰهُ اِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ اَثَامًاۙ إِنَّ هَذَا الْوَعْيَ يَجْعَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِي قَلْبِ كُلِّ شَيْءٍ، فَيُزِيلُ الْكِبْرَ مِنَ النَّفْسِ، وَيُنَمِّي فِي الْإِنْسَانِ شُعُورَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، فَيُرَاقِبُ أَفْعَالَهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي حَيَاتِهِ.

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

إِنَّ الرُّكْنَ الثَّانِيَ مِنْ أَرْكَانِ الْأَخْلَاقِ هُوَ الْإِيمَانُ بِالْآخِرَةِ. فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يُدْرِكُ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ، وَأَنَّهُ سَيُحَاسَبُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، يَعِيشُ حَيَاتَهُ وَفْقًا لِذَلِكَ. وَقَدْ أكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اَلَّذ۪ينَ يَظُنُّونَ اَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَاَنَّهُمْ اِلَيْهِ رَاجِعُونَ۟﴾ مُبَيِّنًا كَيْفَ يُشَكِّلُ الْإِيمَانُ بِالْآخِرَةِ عَقْلِيَّةَ الْمُؤْمِنِ. وَنَحْنُ، كَمُؤْمِنِينَ مُوَحِّدِينَ، نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ اَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ۟﴾.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

الْقُرْآنُ لَا يُعَلِّمُنَا الْأَخْلَاقَ كَأَرْكَانٍ وَأُسُسٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ يُعَلِّمُنَا الْأَخْلَاقَ مِنْ خِلَالِ سِيرَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. فَالْأَنْبِيَاءُ هُمْ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ لِلنَّاسِ. وَأَوَّلُ هَؤُلَاءِ هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي خَاطَبَهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاِنَّكَ لَعَلٰى خُلُقٍ عَظ۪يمٍ، وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلاَقِ»، فَكَانَ مِثَالًا يُحْتَذَىٰ بِهِ، وَهُوَ قُدْوَتُنَا الَّذِي نَهْتَدِي بِهِ فِي أَخْلَاقِنَا وَسُلُوكِنَا.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

مِنْ أَعْظَمِ مَا يُهَذِّبُ أَخْلَاقَ الْمُؤْمِنِ مَعْرِفَتُهُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَىٰ وَصِفَاتِهِ كَالرَّحْمَنِ، وَالْعَدْلِ، وَالْحَلِيمِ، وَالْغَفُورِ. فَكُلَّمَا عَرَفَ الْعَبْدُ رَبَّهُ ازْدَادَ رَحْمَةً وَعَدْلًا. وَكَانَ أَهْلُ التَّصَوُّفِ يَنْصَحُونَ بِالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ، وَكَأَنَّ الْمُؤْمِنَ تُصْبِحُ رُوحُهُ مَصْبُوغَةً بِرُوحِ الْإِيمَانِ فَيَلِينُ قَلْبُهُ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ

إِنَّ أَخْلَاقَ الْقُرْآنِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ لِكَافَّةِ النَّاسِ أَجْمَعَ، بَلْ لِلأُمَّةِ بِأَكْملِهَا. فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يَطْلُبُ رِضَا اللَّهِ يَسْعَى أَيْضًا إِلَى أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ مُجْتَمَعٍ يَرْضَى اللَّهَ. وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ بِأَنْ نَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ نُحْسِنَ الظَّنَّ وَأَلَا نُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ، وَأَنْ نَكُونَ إِخْوَةً مُتَحَابِّينَ، وَأَنْ نَسْعَى لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ إِذَا اخْتَلَفُوا، وَنَهَانَا اللَّهُ عَنِ السُّخْرِيَةِ مِنَ الْأَدْيَانِ الْأُخْرَى، وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ، وَسَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَنَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الْبَاطِلِ. وَبِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْعَظِيمَةِ تَسُودُ الْعَدَالَةُ وَتَنْتَشِرُ الرَّحْمَةُ فِي مُجْتَمَعِنَا.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

إِنَّ الْغَايَةَ مِنْ هَذَا الْبِنَاءِ الْأَخْلَاقِيِّ فِي الْقُرْآنِ هِيَ خَلْقُ مُجْتَمَعٍ يَرْضَى اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَرْضُونَ عَنْهُ. وَعَدَهُمْ اللَّهُ بِالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ خَالِدِينَ فِيهَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الَّذِينَ يَتَخَلَّقُونَ بِأَخْلَاقِ الْقُرْآنِ، اللَّهُمَّ ارْضَ عَنَّا. آمِينَ.

 

الخطبة بالتركية

الخطبة بالعربية

الخطبة بالألمانية

خطبة دانماركية

الخطبة الإنجليزية

الخطبة بالفرنسية

الخطبة بالهولندية

الخطبة بالسويدية

 

 

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com