خطبة

حقوق العبد والتوازن الاجتماعي

15.01.2026
Takke Tesbih Turuncu

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقِيَمِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ حِفْظَ حُقُوقِ الْعِبَادِ. لَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مُرَاعَاةَ وَاحْتِرَامَ حُقُوقِ الْعِبَادِ يُعَدّ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ الرَّحْمَة بِخَلْقِ اللَّهِ. لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَرَّمَ الْإِنْسَانَ وَجَعَلَ لِمَالِه، وَنَفْسِهِ، وَكَرَامَتِهِ حُرْمَةً لَا يَجُوزُ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهَا. وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَلَا تَاْكُلُٓوا اَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وَلَمْ يَقْتَصِرْ النَّهْيُ عَلَى الظُّلْمِ الْمَادِّيَّ فَقَطْ، بَلْ شَمِلَ كُلَّ تَعَدٍّ وَظُلْمٍ يَقَعُ عَلَى الْإِنْسَانِ. لِلظُّلْم صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمِنْ أَشَدِّهَا عِنْدَ اللَّهِ الِاعْتِدَاءُ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ وَانْتِهَاكُ حُقُوقِهِمْ.

 

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

حُقُوقُ الْعِبَادِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى السَّرِقَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمُمْتَلَكَات فَحَسْبُ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا إيذَاءَ الْغَيْرِ، وَالْغَيْبَة، وَالْخِيَانَةَ، وَالْمُمَاطَلَة المُتَعَمِّدَةَ فِي سَدَادِ الدُّيُون، وَاسْتِغْلَالَ جَهْد الْعَامِلِ دُونَ إعْطَائِهِ حَقَّهُ، وَالْإِسْرَافَ فِي صَرْفِ مَالِ الدَّوْلَة، وَالتَّشْهِيرَ بِالنَّاسِ فِي الْوَاقِعِ أَوْ عَبْرَ وَسَائِل التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ كُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ صُوَرِ التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ. قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ» فَحُقُوقُ الْعِبَادِ تَبْدَأُ مِنْ الْمَنْزِلِ إلَى السُّوقِ وَمَكَانِ الْعَمَل وَحَتَّى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَفِي كُلِّ مَكَان تُوجَدُ فِيهِ عَلَاقَةٌ مُتَبَادَلَةٌ بَيْنَ النَّاسِ.

 مِنْ أَخْطَرِ الْمَشَاكِلِ الَّتِي نَعِيشُهَا الْيَوْمَ أَزْمَةُ عَدَمِ الثِّقَةِ. فَأَصْبَحَتْ الْحَيَاةُ بِهَا انْعِدَامُ ثِقَةٍ، وَضَعْفُ الْأمَانَةِ، وَكَثْرُ الشَّكِّ بَيْنَ النَّاسِ. السَّبَبُ الرَّئِيسِيُّ لِهَذِه الْمُشْكِلَةِ هُو التَّهَاوُنُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ. فَمَثَلًا إخْفَاءُ عَيْبِ السِّلْعَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَرَفْعُ الْإِيجَار بِشَكْلٍ يُرْهِقُ الْمُسْتَأْجِرَ، أَوْ الِامْتِنَاعُ عَنْ دَفْعِ الْإِيجَار وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِصَاحِبِ الْبَيْتِ، أَوْ عَدَمُ إعْطَاءِ الْعَامِلِ حَقَّهُ وَتَقْدِيرِ جَهْدِهِ وَتَعْبِهِ، أَوْ عَدَمُ الِالْتِزَامِ بِالْمَوَاعِيد كُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ الْمَظَالِمِ الَّتِي سَيُسْأَلُ عَنْهَا الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا وَالْاخِرَةِ.

وَلِذَلِكَ حَذَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «أَتَدْرُون من الْمُفْلِسُ؟» قالُوا: الْمُفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فقال: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقيامةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وزَكَاةٍ، ويأْتِي وقَدْ شَتَمَ هذا، وقذَف هذَا وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسفَكَ دَم هذَا، وَضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذَا مِنْ حسَنَاتِهِ، وهَذا مِن حسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حسناته قَبْلَ أَنْ يقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرحَتْ علَيْه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ»

وَهَذَا التَّحْذِيرُ يُوَضِّحُ بِأَنَّ الْعِبَادَاتِ مَهْمَا كَثُرَتْ لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا إذَا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مُحَمَّلٌ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ. كَمَا يُذَكِّرُنَا القُرْانُ الكَرِيمُ بِقَوْلِه: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ﴾ بِأَنَّ الْعَدْلَ لَيْسَ فَقَطْ فِي الْمَحَاكِمِ، بَلْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَفِي الْكَلَامِ، وَفِي الْعَمَلِ، وَدَاخِل الأَسِرَّة، وَفِي كُلِّ الْعَلَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. إِنَّ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ لِمُرَاعَاةِ حُقُوقِ الْعِبَادِ هُوَ جَعْلُ الْعَدْلِ مِيزَانَ الْحَيَاةِ كُلِّهَا. فَالْعَدْلُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْأَمَانَةُ فِي الرِّزْقِ وَالِانْضِبَاطُ فِي الْعَلَاقَاتِ، وَالْوَفَاءُ فِي الدُّيُونِ كُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ مُتَطَلَّبَاتٍ لِتَجَنُّبِ انْتِهَاكِ حُقُوقِ الْاخَرِينَ.

 

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

طَلَبُ الْمُسَامَحَةِ وَالْتِمَاسُ الْعَفْوِ مِنْهُمْ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَقُومُ بِهِ الْإِنْسَانُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنْ نَفْسِهِ ثِقَلَ الْحِسَابِ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ أَحَدًا، وَأنْ نَلْقَيَ اللَّهَ وَهُوَ رَاضٍ عَنَّا أَمِين.

خُطبةبالعربية

خُطبةبالتركية

خُطبةبالألمانية

خُطبةبالإنجليزية

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com