خطبة
العجز والدعاء
07.05.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي خَلَقَنَا، وَهُوَ الَّذِي يُحِيطُ بِنَا عِلْمًا، يَعْلَمُ أَحْوَالَنَا وَيُدَبِّرُ شُؤُونَنَا، وَيَعْلَمُ حَاجَاتِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَ. وَقَدْ خُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا، مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الشَّأْنِ وَالْمَكَانَةِ، فَإِنَّهُ يَظَلُّ مُحْتَاجًا إِلَى رَبِّهِ وَعَاجِزًا أَمَامَهُ. وَقَدْ يَظُنُّ الإِنْسَانُ أَحْيَانًا أَنَّهُ قَادِرٌ، لَكِنْ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَمُرَّ بِمَرَضٍ أَوْ شِدَّةٍ أَوْ ضِيقٍ، يُدْرِكُ حَقِيقَةَ ضَعْفِهِ، وَأَنَّ قُوَّتَهُ لَا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا. وَعِنْدَمَا يُدْرِكُ العَبْدُ ذَلِكَ عِنْدَهَا يَنْفَتِحُ قَلْبُهُ، وَيَعُودُ إِلَى رَبِّهِ مُتَضَرِّعًا، مُسْتَعِينًا بِهِ، رَاجِيًا عَوْنَهُ وَرَحْمَتَهُ. وَمِنْ هُنَا يُذَكِّرُنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ العَظِيمَةِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَٓا اَنْتُمْ بِمُعْجِزٖينَ فِي الْاَرْضِۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصٖيرٍ﴾
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
الدُّعَاءُ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الطُّرُقِ لِلتَّوَجُّهِ وَاللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ. فَالدُّعَاءُ لَيْسَ مُجَرَّدَ طَلَبٍ أَوْ سُؤَالٍ، بَلْ هُوَ وَعْيٌ عَمِيقٌ بِحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ؛ إِذْ يَعْتَرِفُ الْعَبْدُ بِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَيُقِرُّ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ الْمُطْلَقَةِ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، يُصْبِحُ الدُّعَاءُ عِبَادَةً تُطَهِّرُ النَّفْسَ وَتُسَكِّنُ الْقَلْبَ، وَتَمْلَأُ النَّفْسَ طُمَأْنِينَةً وَسَكِينَةً. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَانَةَ الدُّعَاءِ الْعَظِيمَةَ حِينَ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ».
إِنَّ الْإِنْسَانَ بِطَبْعِهِ يَقْلَقُ وَيَخَافُ أَمَامَ مَا لَا يَمْلِكُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ إِذَا لَجَأَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَجَدَ فِي قَلْبِهِ سُكُونًا، وَشَعَرَ بِرَاحَةِ تَسْلِيمِ أَمْرِهِ إِلَى رَبِّهِ. فَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ جُهْدَهُ وَيَسْعَى، وَلَكِنَّ النَّتَائِجَ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ. وَهَذَا الْوَعْيُ يُرَبِّي فِي الْإِنْسَانِ رُوحَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَيَقِيهِ مِنَ الْكِبْرِ؛ لِأَنَّهُ مَهْمَا اجْتَهَدَ، يَعْلَمُ أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ بِيَدِهِ، بَلْ هِيَ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
إِنَّ ضَعْفَ الْعَبْدِ وَعَجْزَهُ لَيْسَ نَقْصًا، بَلْ هُوَ مِنْ حَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ. وَمَنْ أَدْرَكَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، ازْدَادَ قُرْبًا مِنْ رَبِّهِ. فَالْكِبْرُ وَالْغُرُورُ يُهْلِكَانِ الْإِنْسَانَ وَيُبْعِدَانِهِ عَنْ رَبِّهِ، بَيْنَمَا الْعَبْدُ الَّذِي يُدْرِكُ عَجْزَهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّهِ بِصِدْقٍ. وَأَصْدَقُ الدُّعَاءِ مَا يَخْرُجُ مِنْ قَلْبٍ مُنْكَسِرٍ فِي لَحَظَاتِ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ؛ حَيْثُ يَبْتَعِدُ الْإِنْسَانُ عَنِ الرِّيَاءِ، وَيَسْتَشْعِرُ حَقِيقَتَهُ، وَيُوقِنُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الْمُطْلَقَةِ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ الدُّعَاءُ عَلَى أَوْقَاتِ الْكَرْبِ وَالشِّدَّةِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ فِي كُلِّ حِينٍ؛ فَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا، دَعَوْنَاهُ شُكْرًا وَحَمْدًا، وَإِذَا أَصَابَتْنَا الشَّدَائِدُ، لَجَأْنَا إِلَيْهِ صَبْرًا وَرَجَاءً.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
لِنَتَوَجَّهْ إِلَى رَبِّنَا فِي الدُّعَاءِ لَا بِأَلْسِنَتِنَا فَقَطْ، بَلْ بِقُلُوبِنَا وَجَوَارِحِنَا بِإِخْلَاصٍ وَحُضُورٍ كَامِلٍ. وَلْنَحْرِصْ عَلَى أَلَّا نَتَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي دُعَائِنَا، فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةًؕ اِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدٖينَۚ﴾. وَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَجَّلَ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلَا يَقُولُ أَحَدُنَا: دَعَوْتُ فَلَمْ يسْتَجِبْ اللَّهُ لِي؛ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُبَشِّرُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادٖي عَنّٖي فَاِنّٖي قَرٖيبٌؕ اُجٖيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِۙ فَلْيَسْتَجٖيبُوا لٖي وَلْيُؤْمِنُوا بٖي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ إِنَّ رَبَّنَا قَرِيبٌ مِنَّا قُرْبًا يَفُوقُ كُلَّ تَصَوُّرٍ، أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُجِيبُ الدُّعَاءَ؛ إِمَّا بِأَنْ يُعْطِيَ الْعَبْدَ مَا طَلَبَ، أَوْ يَدَّخِرَ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَنَخْتِمُ خُطْبَتَنَا بِالدُّعَاءِ الَّذِي كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»











