خطبة

موقف المسلم من الصعوبات الإقتصادية

25.06.2026

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ رَاحَةٍ وَرَفَاهِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ دَارُ ابْتِلَاءٍ وَامْتِحَانٍ، وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ امْتِحَانٌ لِلصَّبْرِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ وَالْعِبَادَةِ. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَبْتَلِينَا تَارَةً بِالنِّعَمِ وَالسَّعَةِ وَتَارَةً أُخْرَى بِالضِّيقِ وَالشِّدَّةِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِؕ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَۙ﴾ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُدْرِكُ أَنَّ كُلَّ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ مِنْ نِعَمٍ لَيْسَ حَقًّا ثَابِتًا لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ وَنِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ لَيْسَتْ بَاقِيَةً. وَمَنْ يُدْرِكْ ذَلِكَ يَقْدِرْ عَلَى تَحَمُّلِ الِابْتِلَاءَاتِ صَابِرًا دُونَ اعْتِرَاضٍ وَجَزَعٍ.

 

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

لقد ابتُليت أمم كثيرة عبر التاريخ بالأزمات الاقتصادية وضيق المعيشة. وفي يومنا هذا يشهد العالم أشكالا متعددة من الحروب، ونقص في الغذاء، وعدم الاستقرار الاقتصادي. لكن المؤمن الواعي يدرك أن الله وحده هو الرازق فيتوكل عليه ويطمئن قلبه. فقد بين القرآن الكريم هذه الحقيقة التي تبعث في النفس الطمأنينة والثقة بالله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَٓابَّةٍ فِي الْاَرْضِ اِلَّا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَاؕ كُلٌّ فٖي كِتَابٍ مُبٖينٍ﴾ وَقَدْ أَرْشَدَنَا نَبِيُّنَا ﷺ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: «أيها النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ وأجْمِلُوا في الطَّلبِ

 فإنَّ نفسًا لن تموتَ حتَّى تستوفيَ رزقَها وإنْ أبطأَ عنها فاتَّقوا اللَّهَ وأجملوا في الطَّلبِ خذوا ما حلَّ ودعوا ما حَرُمَ» فَالْمُؤْمِنُ يُوقِنُ أَنَّ رِزْقَهُ مُقَدَّرٌ لَهُ، وَأَنَّهُ لَنْ يَفُوتَهُ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَلْجَأُ إِلَى الْحَرَامِ وَلَا يَسْلُكُ الطُّرُقَ الْمُحَرَّمَةَ طَلَبًا لِلرِّزْقِ. وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَلَّا يَغْفُلَ عَنِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالتَّدْبِيرِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَيَتَجَنَّبَ الْإِسْرَافَ وَالتَّبْذِيرَ، وَلَا سِيَّمَا فِي يَوْمِنَا هَذَا الَّذِي انْتَشَرَتْ فِيهِ ثَقَافَةُ الِاسْتِهْلَاكِ الْمُفْرِطِ. فَالْمُسْلِمُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَخْدِمَ النِّعَمَ الَّتِي أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بِحِكْمَةٍ، وَيُحَافِظَ عَلَى التَّوَازُنِ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَالْإِسْرَافِ. وَبِهَذَا يُقَدِّرُ النِّعَمَ وَيَشْكُرُ اللَّهَ الَّذِي أَعْطَاهُ هَذِهِ النِّعَمَ، وَالشُّكْرُ عَلَى النِّعْمَةِ مِنْ أَفْضَلِ الطُّرُقِ لِلثَّبَاتِ وَقْتَ الِابْتِلَاءِ. وَفِي سُورَةِ يُوسُفَ أَرْوَعُ الْأَمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ، حَيْثُ تَجَلَّتْ فِيهَا مَعَانِي التَّخْطِيطِ، وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَالِادِّخَارِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَتَجَنُّبِ الْإِسْرَافِ.

 

أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،

يُحَذِّرُنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي تُثِيرُ الْخَوْفَ مِنَ الْفَقْرِ وَضِيقِ الرِّزْقِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اَلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَاْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَٓاءِۚ وَاللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًاۜ وَاللّٰهُ وَاسِعٌ عَلٖيمٌۚ﴾ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَلِمَةُ الْفَقْرِ تُشِيرُ إِلَى الْخَوْفِ مِنْ أَنْ يَنْقُصَ الْمَالُ بِسَبَبِ الصَّدَقَةِ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَدَ الْمُنْفِقِينَ فِي الْخَيْرِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

 وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ الْكِرَامَ قَدْ مَرُّوا بِظُرُوفٍ اقْتِصَادِيَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَسْلِمُوا لِلْخَوْفِ، بَلِ ازْدَادُوا تَعَاوُنًا وَتَكَافُلًا فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ مَوْقِفَ الْمُؤْمِنِ فِي أَوْقَاتِ الْأَزَمَاتِ لَيْسَ الِاسْتِسْلَامَ لِلْخَوْفِ مِنَ الْفَقْرِ، وَإِنَّمَا الْإِقْبَالُ عَلَى الْبَذْلِ وَالْإِحْسَانِ امْتِثَالًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ…»

 وَلِذَلِكَ نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ يَجِبُ أَنْ نَدَّخِرَ فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ وَالْأَزَمَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ. نَتَجَنَّبُ الْإِسْرَافَ وَالتَّبْذِيرَ، لَكِنْ لَا نَتْرُكُ الْجُودَ وَالْكَرَمَ، وَنَحْرِصُ عَلَى إِنْفَاقِنَا وَلَا نَنْسَى الْفُقَرَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ، نَهْتَمُّ بِأَنْفُسِنَا وَعَائِلَتِنَا لَكِنْ لَا نَغْفُلُ عَنْ إِخْوَتِنَا الْمُسْلِمِينَ الْمَظْلُومِينَ.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ شَمِلَتْهُمْ رَحْمَتُهُ وَفَضْلُهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

 

خُطبة – بالعربية

خُطبة – بالألمانية

خُطبة – بالتركية

خُطبة – بالإنجليزية

 

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com