خطبة
البخاري، الرقاق،
16.07.2026
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَابْتَغِ فٖيمَٓا اٰتٰيكَ اللّٰهُ الدَّارَ الْاٰخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصٖيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. تَعَلِّمُنَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الْمُوَازَنَةَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُقِيمَهَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَالْإِسْلَامُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَرِيحَ، أَوْ يَقْضِيَ وَقْتًا مَعَ أُسْرَتِهِ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْحَلَالِ. وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ فِي حَيَاتِهِ مَجَالًا لِلِابْتِعَادِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، أَوِ التَّهَرُّبِ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِهِ، أَوِ الْوُقُوعِ فِي الْإِفْرَاطِ وَتَجَاوُزِ حُدُودِ الِاعْتِدَالِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
مَعَ حُلُولِ الصَّيْفِ يُسَافِرُ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ فِي إِجَازَاتِهِمْ لِلرَّاحَةِ وَاسْتِعَادَةِ النَّشَاطِ. وَالرَّاحَةُ أَمْرٌ تَقْتَضِيهِ فِطْرَةُ الْإِنْسَانِ، فَقَدْ بَيَّنَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الرَّاحَةِ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، وَأَبَاحَ لِأَصْحَابِهِ فُرْصَةَ الِاسْتِرْخَاءِ وَالرَّاحَةِ فِي حُدُودِ مَا أَذِنَ اللَّهُ بِهِ. وَلَكِنَّ الْعُطْلَةَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ لَيْسَتْ وَقْتًا تَتَوَقَّفُ فِيهِ عَنِ الْعِبَادَاتِ وَتُهْمِلُهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ».
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ لَا يُحْسِنُونَ اسْتِثْمَارَ أَوْقَاتِ فَرَاغِهِمْ، بَلْ يُهْدِرُونَهَا فِيمَا لَا يَنْفَعُ. أَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَإِنَّ وَقْتَهُ هُوَ أَثْمَنُ مَا يَمْلِكُ، وَهُوَ رَأْسُ مَالِهِ الْحَقِيقِيُّ. وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَيَّامُ الْإِجَازَةِ أَيَّامًا نَرْتَاحُ فِيهَا مَعَ عَائِلَتِنَا، وَنَتَقَرَّبُ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا أَيَّامًا لِلْغَفْلَةِ، وَالْإِسْرَافِ، وَالْمَعَاصِي، أَوِ التَّمَادِي فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
فِي يَوْمِنَا هَذَا أَصْبَحَ مَفْهُومُ الْإِجَازَةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ يَرْتَبِطُ بِالْفَنَادِقِ الْفَاخِرَةِ، وَالْإِسْرَافِ. لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ، فَالْمِقْيَاسُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعُطْلَةِ. فَإِذَا كَانَتِ الْإِجَازَةُ سَبَبًا لِإِهْمَالِ الصَّلَاةِ، أَوْ تَجَاوُزِ حُدُودِ الْحَيَاءِ وَالْعِفَّةِ، أَوِ الْوُقُوعِ فِي الْإِسْرَافِ، أَوِ التَّهَاوُنِ بِالْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى تُصْبِحَ أَمْرًا مَأْلُوفًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَوْجِبُ مِنَّا وَقْفَةً صَادِقَةً مَعَ أَنْفُسِنَا. فَالْمُؤْمِنُ يَعْرِفُ حُدُودَ اللَّهِ وَيَلْتَزِمُ بِهَا، وَلَا يَتَجَاوَزُهَا، وَلَا يَجْعَلُ الْإِجَازَةَ عُذْرًا لِتَعْلِيقِ مَسْؤُولِيَّتِهِ أَمَامَ رَبِّهِ.
وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا نَنْتَبِهُ لَهَا فِي الْعُطْلَةِ أَنَّ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُقَدِّمُ الطَّعَامَ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ يَكُونُ فِيهَا هَدْرُ الطَّعَامِ وَإِلْقَاؤُهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ بِشَكْلٍ مُبَالَغٍ فِيهِ. وَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَجْتَنِبَ الْإِسْرَافَ فِي بَيْتِهِ، وَفِي عَمَلِهِ، وَفِي سَفَرِهِ، وَفِي إِجَازَتِهِ. وَإِنَّ تَرْكَ الْإِسْرَافِ سَبَبٌ لِنَيْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُواۚ اِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفٖينَࣖ﴾
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،
وَتُعَدُّ الْإِجَازَاتُ أَيْضًا فُرْصَةً عَظِيمَةً لِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَزِيَارَةِ الْوَالِدَيْنِ، وَالسُّؤَالِ عَنِ الْأَقَارِبِ، وَنَيْلِ دُعَاءِ الْكِبَارِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«مَن أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقِه، وأن يُنْسَأَ له في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه» وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: «رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَينِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ».
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، لِنَجْعَلْ إِجَازَاتِنَا أَيَّامًا لَا نَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى رَاحَةِ الْأَبْدَانِ، بَلْ نَجْعَلُهَا أَوْقَاتًا لِتَقْوِيَةِ صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَرِعَايَةِ أَبْنَائِنَا، وَالْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِينَا، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالطَّاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ لَا يُضَيِّعُونَ أَوْقَاتَهُمْ، وَيَشْكُرُونَ نِعَمَهُ، وَيُبِِرُّونَ وَالِدَيْهِمْ، وَيَصِلُونَ أَرْحَامَهُمْ، وَيُحَافِظُونَ عَلَى عَلَاقَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.











