Homeالإرشادخطبة الجمعة ١٢٣٢٠٢١ – قولوا قولا سديدا

خطبة الجمعة ١٢٣٢٠٢١ – قولوا قولا سديدا

َيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ الْعَنَاصِرِ الَّتِي تَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ مُجْتَمَعًا قَوِيًّا وَسَعِيدًا؛ اَلتَّوَاصُلُ الْمُخْلِصُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ وَالصِّدْقُ فِي الْكَلاَم. وَلِكَوْنِ لُغَةِ الْحِوَارِ لُغَةً صَادِقَةً عَذْبَةً لَيِّنَة، فَإِنَّهَا تَصِيرُ وَسِيلَةً لِلتَّحَابُبِ بَيْنَ النَّاسِ وَتُسَاهِمُ بِالتَّالِي فِي سَعَادَةِ الْمُجْتَمَعِ وَطُولِ عُمْرِه. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ الْأُسْلُوبَ الْقَاسِي اَلْفَظَّ عَدِيمَ الرَّحْمَةِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَضَعَ الْمَسَافَاتِ بَيْنَ النَّاسِ وَيُبْعِدَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْض. وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ تَتَضَرَّرُ الصَّدَاقَاتُ بَلْ وَالْقَرَابَاتُ وَبِالْجُمْلَةِ جَمِيعُ الْعَلاَقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَتَأَثَّرُ مِنْ ذَلِكَ بِشَكْلٍ سَلْبِيّ، فَيُنْزَعُ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ الشُّعُورُ بِالثِّقَةِ تِجَاهَ الْآخَرِينَ وَالتَّعَاوُنِ مَعَهُم. وَلِذَلِكَ كُلِّهِ يَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ لَيِّنًا فِي كَلاَمِهِ وَلاَ يَقُولَ إِلاَّ الصِّدْق. يَقُولُ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِه الْكَرِيم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.[1]

عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَوَاصَلُوا مَعَ بَعْضٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ الَّذِي يُقَالُ مَفْهُومًا لَدَى النَّاسِ وَلاَ يَكُونَ إلاَّ كَلاَمًا يُقَرِّبُ النَّاسَ مِنْ بَعْضِهِمْ، لَا شَيْئًا يُؤَدِّي إلَى النُّفْرَةِ وَالْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاس. وَنَحْنُ نُسَمِّي ذَلِكَ الْكَلاَمَ “اَلْبَيَان”. فَالْكَلِمَاتُ الْمُخْتَارَةُ وَالْجُمَلُ الْمُكَوَّنَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَجْمَعَ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهَا وَلاَ تُقْصِيَهُمْ، وَأَنْ تُؤَلِّفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تُفَرِّقَهُم. وَلَقَدْ لَفَتَ الرَّسُولُ ﷺ اِنْتِبَاهَنَا إِلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ حِينَ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا».[2] فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَعَاطَى الْجَمِيلَ وَالصِّدْقَ مِنَ الْكَلاَمِ، وَنَتَجَنَّبَ عَنْ تَعَاطِي الْخَبِيثِ مِنْهُ وَالْكَذِب.

 

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَكُونَ كَلاَمُ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَنْ يَسُودَ الصِّدْقُ وَالْحَقُّ وَالْجَمَالُ حَيَاتَهُ وَحَيَاةَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ النَّاس، أَقُولُ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَكُونَ كَلاَمُهُ هُوَ أَوَّلاً صِدْقًا. يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.[3] وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».[4] وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمٍ أَنَّ كَلاَمَ اللَّهِ تَعَالَى الْقُرْآنَ وَكَلَامَ نَبِيِّهِ ﷺ اَلسُّنَّةَ الَّذَيْنَ لاَ يَتَقَيَّدَانِ بِزَمَانٍ وَلاَ مَكَانٍ هُمَا مَنْبَعَا الْحَقِّ، لاَ مِرَاءَ فِي ذَلِكَ وَلاَ جِدَال.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى يُعْتَبَر إِيْصَالُ الْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ الْإِسْلَامِيَّةِ إلَى النَّاسِ مِنْ خِلاَلِ الْمَنَاهِجِ الْفَعَّالَةِ أَمْرًا وَوَاجِبًا مُوَجَّهًا إلَيْنَا مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعَالَمِين. وَإِنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[5] سَيَظَلُّ هَذَا الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ يُعَلِّمُنَا الْأُسْلُوبَ الْوَاجِبَ اتِّبَاعُهُ فِي الْكَلاَمِ الَّذِي نَقُولُه. لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَلاَمُنَا لَيِّنًا لاَ يَجْرَحُ الْمُخَاطَب. فَنَحْنُ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اَلَّذِي كَانَ حَلِيماً فِي أُسْلُوبِهِ لَيِّنًا فِي كَلاَمِه. فَلاَ يَلِيقُ بِنَا إِلًّا أَنْ نَتَّبِعَ الْأَحْسَنُ مِنَ الْقَوْلِ وَلاَ نَقُولَ حِيْنَ نَقُولُ إلاَّ الصِّدْق.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّادِقِينَ فِي كَلاَمِهِمْ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا التَّحَلِّي بِاللِّينِ فِي الْأُسْلُوب، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، آمِين.

[1] سورة آل عمران: 159

[2] سنن أبي داود، كتاب الأدب، 95، الحديث رقم (5011)

[3] سورة الأحزاب: 70-71

[4] صحيح البخاري، كتاب الأدب، 31، 85؛ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، 74

[5] سورة طه: 43-44

خطبة الجمعة ١٢٣٢٠٢١ – قولوا قولا سديدا

Teilen

Schwerpunkt

Weitere Beiträge