خطبة

حُرْمَةُ الأُسْرَة

28.10.2021
Kur'an Sayfası Tesbih Ahşap

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ الْأُسْرَةَ هِيَ الْعَامِلُ الْأَهَمُّ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ وَأَيِّ حَضَارَةٍ. وَإِنَّ عَيْشَ الْإِنْسَانِ فِي سَعَادَةٍ وَأَمْنٍ مَرْهُونٌ بِمُحَافَظَتِهِ عَلَى حُرْمَةِ بَيْتِهِ وَأُسْرَتِه. لِذَا كَانَتِ الْأُسْرَةُ ظَاهِرَةً فِطْرِيَّةً فِي حَيَاةِ الْإِنْسَان. وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَعْيٍ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ فَيُحَافِظَ عَلَى أَوَاصِرِ الْوَفَاءِ وَالْحُبِّ وَعَلَى الْقِيَمِ الْأُسَرِيَّةِ الَّتِي نُضْفِي عَلَيْهَا قَدَاسَةً كَبِيرَة. وَإِذَنْ، يَنْبَغِي رِعَايَةُ حُرْمَةِ الْأُسْرَةِ اَلَّتِي تُضِيفُ أَعْظَمَ الْقِيَمِ إِلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَع. وَلَكِنَّنَا لِلْأَسَفِ الشَّدِيد، نُشَاهِدُ جَمِيعًا مَا تَتَعَرَّضُ لَهُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ مِنْ اِنْتِهَاكٍ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الْاِجْتِمَاعِي.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَفَاضِل،

إِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى حُرْمَةِ الْبُيُوتِ وَالْأُسْرَةِ مِنْ مُوجِبَاتِ عَقِيدَتِنَا. فَإِنَّ الْإِسْلَامَ الَّذِي هَدَانَا إِلَى طَرِيقَةِ الْحَيَاةِ الْمُثْلَى، قَدْ بَيَّنَ لَنَا الْمَبَادِئَ وَالْقَوَاعِدَ الَّتِي تَكْفُلُ ذَلِك. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَعَزَّ مَا تَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ فِي إِطَارِ حُرْمَةِ الْأُسْرَةِ هِي بُيُوتُنَا الَّتِي نَسْكُنُهَا وَنَعِيشُ فِيهَا. وَمَثَلُ بُيُوتِنَا كَمَثَلِ بَيْتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ اَلَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[1] وَلْتَبْقَ بُيُوتُنَا مَآمِنَ لَنَا وَتَبْقَى فِي سَكِينَةٍ وَطُمَأْنِينَة، يَتَحَمَّلُ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ مَسْؤُولِيَّةَ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَا يَمَسُّهَا بِسُوءٍ وَإهَانَة.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

نُلَاحِظُ جَمِيعًا أَنَّ أَكْثَرَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي يَتِمُّ السَّعْيُ لِتَخْرِيبِهَا وَالتَّهْوِينِ مِنْ شَأْنِهَا الْيَوْمَ عَبْرَ بَعْضِ وَسَائِلِ الْإعْلَامِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الْاِجْتِمَاعِيِّ هُوَ حُرْمَةُ الْأُسْرَة. فَكَمْ مِنْ عَلَاقَةٍ أُسَرِيَّةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الْأَمَانَةِ تَأَثَّرَتْ نَتِيجَةَ نَشْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِيَّاتِ الْأُسَرِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَالٍ بِخُطُورَةِ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّة. وَهَكَذَا لَمْ يَعُدِ النَّاسُ تَمْنَعُهُمْ الْحَيَاءُ مِنْ إفْشَاءِ تَصَرُّفَاتِهِمُ الرَّذِيلَةِ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْمَوَاقِع.
وَأَدَّى ذَلِكَ بِبَعْضِ النَّاسِ الآَخَرِينَ إِلَى أَنْ يُتَابِعُوْا هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الرَّذِيلَةِ وَيُنَقِّبُوا عَنْهَا. فَكَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأُسَرِنَا تِجَاهَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ غَيْرِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، يَحْرُمُ عَلَيْنَا فِيْ الْمُقَابِلِ مِنْ ذَلِكَ مُتَابَعَةُ أَصْحَابِ هَذِهِ الرَّذَائِلِ وَمُشَاهَدَتُهُم.

إِخْوَتِيَ الْكِرَام،

إِنَّ الْحِفَاظَ عَلَى أَمْنِ الْأُسْرَةِ وَأمَانِهَا أَمْرٌ بَالِغُ الْخُطُورَةِ وَالْأَهَمِّيَّة. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿يَٓا اَيُّهَا الَّذٖينَ اٰمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّٰى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلٰٓى اَهْلِهَا ط ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[2] وَبَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِكْمَةَ مِنْ تَشْرِيعِ هَذَا الْحُكْمِ إِذْ قَالَ: «إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أَجْلِ البَصَرِ»[3].

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

فَلْنَمْنَعِ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ بُيُوتِنَا، وَلَا نَنْسَ أَنَّ بُيُوتَنَا وَأُسَرَنَا تَمْلِكُ أَكْبَرَ حَصَانَة، فَلَا نَسْمَحُ لِأَحَدٍ بِالتَّهْوِينِ مِنْ شَأْنِهَا عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ هَذِهِ، وَلْنَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ نَشْرَ الصُّوَرِ وَالْفِيدْيُوهَاتِ الْخَاصَّةِ اَلْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُسْرَةِ سَبَبٌ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى ازْدِيَادِ الْمَشَاكِلِ الْأُسَرِيَّةِ وَإِلَى رُسُوخِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَاكِلِ الْاِجْتِمَاعِيَّة.

إِخْوَتِيَ الْكِرَام،

إِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى حُرْمَةِ الْبُيُوتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِكَمَالِهَا إِلَّا فِي ضَوْءِ الْمَعَايِيرِ الَّتِي وَضَعَهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُطَهَّرَة. لَا تَسْمَحُوْا لِلْآلَاتِ التَّقَنِيَّةِ وَبِخَاصَّةٍ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الْاِجْتِمَاعِيِّ أَنْ تُسَيْطِرَ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أُسَرِكُم. وَمَتَى نَجَحْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ سَنُدْرِكُ مَدَى قِيمَةِ أُسَرِنَا. أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِحِفْظِ حُرُمَاتِنَا وَأَنْ يَحْفَظَنَا مِنْ كَيْدِ الشَّيَاطِين، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْه. آمين

[1] سورة آل عمران:٩٧

[2] سورة النّور:٢٧

[3] متفق عليه. صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، ١١؛ صحيح مسلم، كتاب الآداب، ٩

خطبة الجمعة ٢٩\١٠\٢٠٢١ – حُرْمَةُ الأُسْرَة