خطبة

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ١٥\١٠\٢٠٢١ – شَغَفُ النَّبِيِّ ؐ بِأُمَّتِه

15.10.2021
Rahle Kur'an

لَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ وَرَحْمَتُهُ اللاَّمُتَنَاهِي أَنْ لَا يَذَرَ عِبَادَهُ فُرَادَى بَعْدَ أَنْ خَلَقَهُم. فَبَعَثَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكُتُبَ، لِيَدُلَّهُمْ بِذَلِكَ عَلَى سُبُلِ التَّقَرُّبِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ، وَعَلَى سُبُلِ تَحْسِينِ عَلاَقَاتِهِمُ الْبَشَرِيَّةِ وِفْقَ مَا رَسَمَهُ لَهُم. وَإِنَّ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ؐ يَتَبَوَّأُ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ أَهَمَّ مَنْزِلَةٍ وَأَعْلَى مَكَانَة. فَقَدِ اجْتَهَدَ ؐ طِوَالَ حَيَاتِهِ وَبِكُلِّ مَا لَدَيْهِ لِيُرْشِدَ أُمَّتَهُ وَلِيَأْخُذَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى طَرِيقِ الْفَلَاح. وَلَمْ يَأْلُ ؐ جُهْدًا فِي تَقْدِيمِ التَّضْحِيَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ لَهُمْ، وَشَارَكَهُمْ دَائِمًا سُرُورَهُمْ وَحُزْنَهُم. وَلَمْ يَزَلْ ؐ يَجِدُّ وَيَجْتَهِدُ لِمَصْلَحَةِ أُمَّتِهِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيه: ﴿لَقَدْ جَٓاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْفُسِكُمْ عَزٖيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرٖيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنٖينَ رَؤُوفٌ رَحٖيمٌ.[1]

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ؐ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَة».[2] وَنَفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ؐ فِي صَفِّ أُمَّتِهِ وَأَنَّهُ مَعَهُمْ دَائِمًا، لَيْسَ فِي الدُّنْيَا فَحَسْب، بَلْ إِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ مَعَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْضًا. فَهُوَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ الَّذِي ظَلَّ رَغْمَ كُلِّ الْمُعَانَاةِ وَالصُّعُوبَاتِ الَّتِي مَرَّ بِهَا، ظَلَّ يَحْمِلُ هَمَّ أُمَّتِهِ وَظَلَّ يَدْعُو اللَّهَ لَهُم. فَحَتَّى لَمَّا فَقَدَ زَوْجَتَهُ اَلسَّيِّدَةَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَعَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، وَذَاقَ أَلَمَ فَقْدِ الْأَوْلَادِ، لَمْ يَصْرِفْهُ كُلُّ ذَلِكَ عَنِ الْاِهْتِمَامِ بِأُمَّتِهِ وَلَمْ تَضْعُفْ عِنَايَتُهُ ؐ بِهِمْ وَلَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْء.

 أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ النَّبِيَّ ؐ قَدْ عَبَّرَ لِأَصْحَابِهِ عَنْ شَوْقِهِ لِأُمَّتِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ بَعْدُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ،
فَقَال: «وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا»، فَقَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رسُولَ اللَّه؟ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْد».[3]

فَلْنَتَأَمَّلْ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث: لَقَدْ كَانَ فِي عَهْدِهِ ؐ أُنَاسٌ رَأَوْهُ وَعَاشَرُوهُ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِه. وَفِي الْجَانِبِ الْآخَر، أَتَى أُنَاسٌ بَعْدَهُ ؐ بِقُرُونٍ، لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَسْمَعُوهُ، لَكِنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوا سَبِيلَهُ، وَهُمْ عَلَى اسْتِعْدَادِ أَنْ يَفْتَدُوا بِكُلِّ مَا يَمْلِكُونَهُ لِأَجْلِ رُؤْيَتِهِ ؐ مَرَّةً وَاحِدَة. فَمَا أَعْظَمَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ الْيَوْمَ مِنْهُم.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّنَا بِإِذْنِ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ سَنُدْرِكُ عِيدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ؐ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاصِلَةِ بَيْنَ يَوْمِ الْأَحَدِ وَيَوْمِ الْاِثْنَيْن. وَسَتَشْهَدُ كُلُّ بُقْعَةٍ يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْعَالَمِ بَهْجَةَ الْاِحْتِفَالِ بِمَوْلِدِهِ ؐ بِمَا فِي ذَلِكَ فُرُوعُ مُنَظَّمَتِنَا. وَهَذِهِ اِحْتِفَالَاتٌ قَدْ لَقِيَتْ اِسْتِحْسَانَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَتَشْجِيعَهُم. فَهِيَ فُرْصَةٌ يَنْبَغِي اِغْتِنَامُهَا مَا كَانَتْ بَعِيدَةً عَنِ الْإِسْرَافِ وَالْبِدَع. وَقَدْ بَاتَتْ هَذِهِ الْاِحْتِفَالَاتُ مُنْذُ عُصُورٍ عَدِيدَةٍ وَسِيلَةً لِتَلْقِينِ النَّاسِ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ؐ وَتَعْرِيفِهِمْ عَلَى سُنَّتِهِ عَنْ طَرِيقِ دُرُوسِ السِّيرَةِ وَالْحَدِيثِ وَمَجَالِسِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ؐ وَقَصَائِدِ الْمَدِيح.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ تَنَالُهُم شَفَاعَةُ الرَّسُولِ ؐ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَمَا يَدْعُو رَبَّهُ قَائِلًا: “يَارَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي”،[4] إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْه. آمِين.

[1] سورة التوبة: ١٢٨

[2] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، ٨٦، الحديث رقم (١٩٩); صحيح البخاري، كتاب التوحيد،٣١، الحديث رقم (٧٤٧٤)

[3] صحيح مسلم، كتاب الطهارة، ١٢، الحديث رقم (٢٤٩)

[4] مسند أحمد، ١٥/٣٨٧، الحديث رقم (٩٦٢٣)

 

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ١٥\١٠\٢٠٢١ – شَغَفُ النَّبِيِّ ؐ بِأُمَّتِه