خطبة
أنفاق / إنفاق
01.10.2026
إِنَّ دِينَنا الحَنِيفَ الإِسْلامَ، كَما نَظَّمَ جَمِيعَ جَوانِبِ حَياتِنا، نَظَّمَ كَذَلِكَ عَلاقَتَنا بِالمالِ؛ لِأَنَّ المالَ لَيْسَ مِلْكًا حَقِيقِيًّا لِلْإِنْسانِ، وَإِنَّما هُوَ أَمانَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى. وَالإِنْفاقُ هُوَ أَنْ يَبْذُلَ الإِنْسانُ مِنْ هَذِهِ الأَمانَةِ، فَيُشارِكَ بِها المُحْتاجِينَ، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ. وَلِذَلِكَ ذُكِرَتِ الصَّلاةُ وَالصَّدَقَةُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ يُقَوِّي صِلَةَ العَبْدِ بِرَبِّهِ، وَالصَّدَقَةُ تُقَوِّي الرَّابِطَةَ بَيْنَ العَبْدِ وَالنّاسِ.
يَقُولُ رَبُّنا سُبْحانَهُ وَتَعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَؕ﴾ وَيَقُولُ سُبْحانَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى:﴿مَثَلُ الَّذ۪ينَ يُنْفِقُونَ اَمْوَالَهُمْ ف۪ي سَب۪يلِ اللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ اَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ف۪ي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍۜ وَاللّٰهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَٓاءُۜ وَاللّٰهُ وَاسِعٌ عَل۪يمٌ﴾ فَهَذَا يُبَيِّنُ لَنا أَنَّ الرِّبْحَ الحَقِيقِيَّ عِنْدَ اللهِ تَعالى لَيْسَ فِي جَمْعِ المالِ وَادِّخارِهِ فَحَسْبُ، وَإِنَّما فِي بَذْلِهِ وَإِنْفاقِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمُشارَكَتِهِ مَعَ المُحْتاجِينَ.
أيُّها الإخوةُ المؤمنون،
إِنَّ عَصْرَنا الحالِيَّ يَنْشُرُ ثَقافَةً تُشَجِّعُ عَلَى التَّبْذِيرِ وَالإِسْرافِ، وَتَقِيسُ قِيمَةَ الإِنْسانِ بِما يَمْلِكُهُ مِنْ مالٍ وَمَتاعٍ. فَأَصْبَحَ كَسْبُ المَزِيدِ، وَامْتِلاكُ المَزِيدِ، وَإِنْفاقُ المَزِيدِ، هَدَفًا مِنْ أَهْدافِ الحَياةِ. لَكِنَّ الاقْتِصادَ الَّذِي جاءَ الإِسْلامُ بِبِنائِهِ قائِمٌ عَلَى الرَّحْمَةِ لا المُنافَسَةِ، وَعَلَى المُشارَكَةِ لا الأَنانِيَّةِ. إِنَّ الصَّدَقَةَ تُسْهِمُ فِي سَدِّ حاجَةِ الفَقِيرِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تُطَهِّرُ قَلْبَ الغَنِيِّ. إِنَّها تُحَوِّلُ البُخْلَ إِلَى كَرَمٍ، وَالطَّمَعَ إِلَى قَناعَةٍ، وَالشُّعُورَ بِالوَحْدَةِ إِلَى أُخُوَّةٍ وَتَكافُلٍ. لِأَنَّ الإِنْفاقَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مالٍ يَخْرُجُ مِنَ اليَدِ، بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ تَنْمُو فِي القَلْبِ وَتَزْدَهِرُ. وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ شَرِيفٍ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ». وَقَالَ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «اليَدُ العُليا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلى، وابدَأْ بمَن تَعولُ» وَتُعَلِّمُنا هَذِهِ الأَحادِيثُ أَنَّ الإِنْفاقَ يَكُونُ سَبَبًا فِي بَرَكَةِ وَنَماءِ أَمْوالِنا، وَأَنَّ البَذْلَ يَبْدَأُ بِمَنْ تَجِبُ عَلَيْنا رِعايَتُهُمْ وَنَفَقَتُهُمْ، ثُمَّ يَمْتَدُّ إِلَى الأَقارِبِ وَالجِيرانِ، وَالأَيْتامِ وَطُلّابِ العِلْمِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَسائِرِ المُحْتاجِينَ وَأَهْلِ الحاجَةِ.
إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،
إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَقْتَصِرُ عَلَى بَذْلِ المالِ وَحْدَهُ؛ فَمُشارَكَةُ عِلْمِنا مَعَ الآخَرِينَ، وَتَخْصِيصُ وَقْتٍ مِنْ يَوْمِنا لَهُمْ، وَالأَخْذُ بِيَدِ شابٍّ وَمُساعَدَتُهُ، وَالسُّؤالُ عَنْ حالِ جارٍ مُسِنٍّ، وَزِيارَةُ مَرِيضٍ، وَجَبْرُ خاطِرِ قَلْبٍ مَكْسُورٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ صُوَرِ الإِنْفاقِ وَالإِحْسانِ. وَيَجِبُ لَنا أَنْ نُوَرِّثَ أَبْناءَنا، لا المالَ وَالثَّرْوَةَ فَحَسْبُ، بَلْ نُوَرِّثَهُمْ حُبَّ العَطاءِ، وَرُوحَ المُشارَكَةِ، وَشُكْرَ النِّعْمَةِ، وَالشُّعُورَ بِآلامِ الآخَرِينَ وَهُمُومِهِمْ. لِأَنَّهُ إِذا غابَتِ الرَّحْمَةُ قَلَّتِ البَرَكَةُ، وَإِذا غابَ التَّراحُمُ وَالتَّكافُلُ ضاعَ الشُّعُورُ بِالثِّقَةِ وَالأَمانِ بَيْنَ النّاسِ.
وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ تَعالى لا يُرِيدُ مِنَّا كَثْرَةَ أَمْوالِنا، وَإِنَّما يُرِيدُ مِنَّا غِنَى النُّفُوسِ وَسَلامَةَ القُلُوبِ. فَكُلُّ إِنْفاقٍ نَبْذُلُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى ثِقَتِنا بِرَبِّنا، وَعَلَى يَقِينِنا بِوَعْدِهِ. فَاليَدُ المُعْطِيَةُ إِنَّما هِيَ يَدٌ تَثِقُ بِوَعْدِ اللهِ، وَتَرْجُو ما عِنْدَهُ، وَتُوقِنُ أَنَّ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
أيُّها الإخْوَةُ الأفاضِل،
وَكَما جَرَتْ عادَةُ مُؤَسَّسَتِنا فِي كُلِّ عامٍ، فَإِنَّها تَدْعُونا هَذَا العامَ أَيْضًا مِنْ خِلالِ حَمْلَةِ الإِنْفاقِ إِلَى أَبْوابِ الخَيْرِ وَالبَذْلِ. وَسَتُقامُ عَشَراتُ المَشارِيعِ فِي مَناطِقِنا بِفَضْلِ مُساهَماتِنا وَدَعْمِنا، حَيْثُ سَتُبْنَى وَتُعَمَّرُ المَساجِدُ، وَمَباني الخِدْماتِ، وَالمَراكِزُ التَّعْلِيمِيَّةُ، وَالمَدارِسُ، لِتَكُونَ مَناراتٍ لِلْعِلْمِ وَالعِبادَةِ وَخِدْمَةِ النّاسِ. فَإِذا كُنَّا نُرِيدُ أَنْ تَكُونَ الأَعْمالُ الصّالِحَةُ الَّتِي تُقامُ فِي هَذِهِ الأَماكِنِ صَدَقَةً جارِيَةً لَنا، وَأَعْمالًا تَبْقَى حَسَناتُها فِي صَحائِفِنا وَلا يَنْقَطِعُ أَجْرُها، فَلْنُبادِرْ إِلَى بَذْلِ ما آتانا اللهُ مِنْ إِمْكاناتٍ، وَلْنَشْتَرِكْ فِي الخَيْرِ بِما نَسْتَطِيعُ، وَلْنَكُنْ مَعَ أَهْلِ الخَيْرِ، وَلْنُسْهِمْ فِي نَشْرِ الخَيْرِ، وَلْنَجْعَلْ مِنْ أَمْوالِنا وَأَوْقاتِنا وَجُهُودِنا وَسِيلَةً لِعِمارَةِ بُيُوتِ اللهِ، وَخِدْمَةِ النّاسِ، وَبِناءِ أَجْيالٍ نافِعَةٍ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعالى أَنْ يَجْعَلَنا مِنْ عِبادِهِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الرِّزْقَ الحَلالَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الإِنْفاقَ نِعْمَةٌ وَلَيْسَ عِبْئًا، وَيَبْذُلُونَ لِلْمُحْتاجِ مَعَ حِفْظِ كَرامَتِهِ وَعِزَّتِهِ، وَيَجْعَلُونَ الرَّحْمَةَ فِي مَرْكَزِ حَياتِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنْ أَهْلِ الخَيْرِ وَالإِحْسانِ، وَبارِكْ لَنا فِي أَمْوالِنا وَأَعْمالِنا، وَتَقَبَّلْ مِنَّا ما أَنْفَقْنا، وَاجْعَلْهُ لَنا ذُخْرًا يَوْمَ نَلْقَاكَ.











