خطب الجمعة

الإِسْلَامُ وَالْعَصْرُ الْحَدِيثُ

دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي نَنْتَمي إلَيْهِ يَأْمُرُنَا بِأَنْ نُدْرِكَ الهَدَفَ مِنْ خَلْقِنَا، وَأَنْ نُرَتِّبَ حَيَاتَنَا وِفْقًا لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. مَا دُمْنَا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ يُرِيدُ اللَّهُ مِنَّا أَنْ نَعِيشَ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ حَيَاتِنَا، وَأَنْ يَكُونَ رِضَى اللَّهِ أَسَاسِيًّا فِي كُلِّ قَرَارٍ نَتَّخِذُهُ فِي الحَيَاةِ؛ لِأَنَّنَا لَنْ نَكُونَ مُسْلِمِينَ وَمُؤْمِنِينَ حَقِيقِيِّينَ إلَّا عِنْدَمَا يَكُونُ إِيمَانُنَا مُتَوَافِقًا مَعَ أَفْعَالِنَا.

فَضَائِلُ حِفْظِ الْقُرْانِ

الْقُرْانُ الْكَرِيمُ كِتَابٌ إِلَهِيُّ أَنْزَلَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى مَدَى٢٣ (ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (سَنَةً. الْمُشْتَهِرُ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ طَرِيقَتَانِ فِي نُزُولِ الْقُرْانِ، فَإمَّا أنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ كَامِلَةً، أَوْ تَنْزِلَ آيَاتٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ. أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرِيقِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَرْتِيبِ الْقُرْانِ، وَأىِّ آيَةٍ تَنْتَمِي إِلَى أَيِّ سُورَةٍ، وَكَيْفَ يَتِمُّ تَرْتِيبُ السُّورِ. الَّذِي رَتَّبَ سُوَرَ الْقُرْانِ الْكَرِيمِ كَمَا هِيَ الْآنَ فِي الْمُصْحَفِ هُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الْقُرْانُ الْكَرِيمُ لَيْس كَمِثْلِ كِتَابٍ آخَرَ، فَهُوَ يَحْتَوِي عَلَى مَوْضُوعَاتٍ عَنْ الْإِعْجَازِ، وَعَنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَعَنْ الْعِبَادَاتِ، وَعَنِ الإِيمَانِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ. وَقِرَاءَةُ الْقُرْانِ بِذَاتِهَا عِبَادَةٌ، وَلَهُ شَكْلٌ خَاصٌّ فِي الْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ.

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ١٩/ ٤/٢٠٢٤– الْعِفَّةُ فِي الْإِسْلَامِ

يَصِفُ الْقُرْانُ الْكَرِيمُ الْعِبَادَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذٖينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَۙ). الْعِفَّةُ تَعْنِي الِابْتِعَادَ عَنِ الْحَرَامِ، وَتَجَنُّبَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْحَرَامِ، وَأنْ نَكُونَ ذَا حَيَاءٍ وَاحْتِشَامٍ، وَأَنْ نَعِيشَ حَيَاةً مَبْنِيَّةً عَلَى الْقِيَمِ وَالْأخْلاقِ الْإِسْلَامِيَّة. وَعَرَّفَ كِبَارُ الْعُلَمَاءِ الْعِفَّةَ بِأَنَّه: "تَعْنِي الْبُعْدَ عَنْ الْفَوَاحِشِ وَالرَّذَائِلِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَى ضَبْطِ الشَّهَوَاتِ الَّتِي تَدْعُو إلَيْهَا النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ، فَهِي جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْهَوَى، وَطَاعَةِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَكُلَّمَا ابْتَعَدَ الْمُسْلِمُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ كَانَ أَقْرَبَ لِلتَّحَلِّي بِالْعِفَّةِ الَّتِي تُوَصِّلُ إلَى تَقْوَى اللَّهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ". دِينُنَا الْإِسْلَامُ يَأْمُرُنَا بِأَنْ نُحَافِظَ عَلَى أَنْفُسِنَا مِنَ الشَّهَوَاتِ النَّفْسِيَّةِ، وَيُذُمُّ الْمُبَالَغَةَ وَتَعَدِّي الْحُدُودِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ١٢/ ٤/٢٠٢٤– فَضْلُ شَهْرِ شَوَّالٍ

كُلُّ عِبَادَةٍ نَقُومُ بِهَا تُقَرِّبُنَا إلَى اللَّهِ أَكْثَرَ. الصَّوْمُ يُهَذِّبُ نُفُوسَنَا وَيُقَوِّي إرَادَتَنَا، وَالصَّلَاةُ تَجْعَلُنَا نَقِفُ أَمَامَ اللَّهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ، وَالزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ تُزَكِّى أَمْوَالَنَا وَتُقَوِّى التَّكَافُلَ الِاجْتِمَاعِيَّ والْأُخُوَّةَ، وَالْحَجُّ مِنْ أَكْبَرِ الْمُؤَشِّرَاتِ الَّتِي تَجْمَعُنَا مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَتُظْهِرُ خُضُوعَنَا لِلَّه، وَالْقُرْانُ نُورٌ إِلَهِيُّ يُرَقِّقُ قُلُوبَنَا وَيُوَصِّلُنَا إلَى سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَلِذَلِكَ كُلُّ عِبَادَةٍ نَقُومُ بِهَا يَجْزِينَا اللَّهُ حَسَنَةً فِي الدُّنْيَا وَالْاخِرَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي نَقْضِيهَا اسْتِثْمَارٌ يَأْتِي لَنَا بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَمِرَّ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَرْحَلَةٍ مِنْ حَيَاتِنَا، وَلَيْسَ فِي أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ فَقَطْ.

فَضَائِلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ

الْأَمَاكِنُ الْمُبَارَكَةُ مِثْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْقُدْس لَقَدْ اكْتَسَبَتْ مَعْنًى وَأَهَمِّيَّةً خَاصَّةً بِالْأَحْدَاثِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي التَّارِيخِ وبوجود الْأَنْبِيَاءِ فيها. إِنَّ شَهْرَ رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَرَمَضَانَ يُسَمَّى بِالْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ الْمُبَارَكَةِ بِسَبَبِ أَنَّ بِهَا لَيَالِيَ مُبَارَكَةً. وَمِنْ بَيْنَ هَذِهِ اللَّيَالِي لَيْلَةُ أُنْزِلَ الْقُرْانُ فِيها، وَمُدِحَتْ فِي الْقُرْآنِ. وَقَدْ أَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِالتَّحَرِّي عَنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

فَضْلُ الِاعْتِكَاف وَفَوَائِدُه

نَحْنُ نَقْتَرِبُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وهو أَفْضَلُ الْأَيَّامِ فِي الْعَامِ. وَبِهَذِهِ الْأَيَّامِ تَصِلُ كُلُّ عِبَادَةٍ لَنَا مَعَ الصِّيَامِ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتٍ، وَيَزْدَادُ ثَوَابُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ. عِنْدَمَا يُقَالُ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوَّلُ شَيْءٍ يَأْتِي لِلْعَقْلِ هُوَ الِاعْتِكَافُ. الِاعْتِكَافُ هُوَ الِابْتِعَادُ عَنِ كُلِّ أَعْمَالِ الدُّنْيَا، وَقَضَاءُ كُلِّ الْوَقْتِ بالعِبَادَةِ فِي الْمَسْجِدِ. 

فَضَائِلُ وَخَصَائِصُ شَهْرِ رَمَضَانَ

شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، هُوَ شَهْرٌ مُثْمِرٌ، وأَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهَذَا الشَّهْرِ مِنْ أَجْلِ الْعِبَادَةِ، وَتَطَوَّرِ الْوَعْي الْأَخَوِيِّ وَالتَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ. وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ أَيْضًا هُوَ شَهْرٌ نُحَاسِبُ فِيهِ أَنْفُسَنَا وَنُقَوِّي إيمَانَنَا. إِنَّنَا كَمُسْلِمِينَ نَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّهِ بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَاتِنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، وَنُزَكِّي وَنُهَذِّبُ أَنْفُسَنَا وَإِرَادَتَنَا بِالصَّوْمِ، وَنَقُومُ بِتَنْقِيَةِ أَمْوَالِنَا مِنَ خِلَالِ الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَنَقْوَى بِوَعِينَا بِكَوْنِنَا أُمَّةً. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ نُكْمِلُ هَذَا الشَّهْرَ الْمُبَارَكَ الَّذِي نَقْضِي فِيهِ الْعِبَادَةَ لَيْلًا وَنَهَارًا وَنَحْنُ تَائِبُونَ وَعَابِدُونَ وقَائِمُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. بَعْدَمَا فُرِضَ الصِّيَامُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِدُّ اسْتِعْدَادًا مَعْنَوِيًّا بِمَجَيئِ شَهْرِ رَمَضَانَ. كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً لِرَمَضَانَ، وَكَانَ يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ. َرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ مَجِيئِ رَمَضَانَ: "أَتَاكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرُ بَرَكَةٍ يُغْنِيكُمُ اللهُ فِيهِ، فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ، وَيَحُطُّ الْخَطَايَا، وَيَسْتَجِيبُ فِيهِ الدُّعَاءَ، يَنْظُرُ اللهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلَائِكَتَهُ، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرَاً، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ"

خُطْبَةُ الْجُمُعَة: فَضْلُ شَهْرِ رَمَضَانَ

نَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ، وَهُوَ الشَّهْرُ الْوَحِيدُ الَّذِي ذُكِرَ اسْمُهُ فِي الْقُرْانِ الْكَرِيمِ. لَقَدْ اِنْتَهَى شَهْرَانُ مِنَ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَبَقِي رَمَضَانُ وَنَنْتَظِرُهُ بِحَمَاسٍ. أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْانِ الْكَرِيمِ: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذٖٓي اُنْزِلَ فٖيهِ الْقُرْاٰنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدٰى وَالْفُرْقَانِۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُؕ) الْقُرْانُ الْكَرِيمُ الَّذِي أُرْسِلَ كَدَلِيلٍ لِلْإِنْسَانِيَّةِ، بَدَأ نُزُولُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارِ حِرَاءَ بِمَكَّةَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ في عَامٍ سِتُّمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مِيلَادِي. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي خَلَقَنَا مِنْ الْعَدَمِ "أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتْرُكَ سُدًى". بَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ لَمْ يَتْرُكْهُ وَحْدَهُ، بَلْ عَلَّمَهُ كَيْفَ يَقِفُ عَلَى الطَّرِيقِ لِجَعْلِ الْحَيَاةِ ذَاتَ مَعْنًى عَنْ طَرِيقِ الْقُرْانِ وَالسُّنَّةِ.

تَزْكِيَةُ النَّفْسِ

إنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي خُلِقَ عَلَى أَنَّهُ أَشْرَفُ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ كَائِنٌ مُكَوَّنٌ مِنْ جَسَدٍ وَرُوحٍ. بِالْإِضَافَةِ إلَى وُجُودِ جَسَدِ الْإِنْسَانِ لَدَيْهِ أَيْضًا رُوحٌ هِيَ أَسَاسُ وُجُودِهِ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُنَا رُؤْيَتُهَا بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ. كَمَا أَنَّ الصِّحَّةَ الْبَدَنِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ لِاسْتِمْرَارِ حَيَاتِنَا؛ فَإِنَّ الصِّحَّةَ النَّفْسِيَّةَ أَيْضًا ضَرُورِيَّةٌ. دِينُنَا الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ يُعْطِى أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَنْقِيَةِ الْقَلْبِ مِنْ أَجْلِ تَعْزِيزِ رُوحِنَا الْمَعْنَوِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّة. إنَّ اتِّبَاعَ الْغَرِيزَةِ وَالْخُضُوعِ لِلشَّهْوَةِ وَرَغَبَاتِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، سَيُنْزِلُ الْإِنْسَانَ الَّذِي خُلِقَ فِي مُسْتَوَى أَعْلَى إلَى مُسْتَوَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ. بَيْنَمَا تَهْذِيبُ النَّفْسِ يَقُودُ الْإِنْسَانَ إلَى الْكَمَالِ وَهُوَ غَايَةُ الْوُجُودِ.

يلةُ البراءةِ ليلةُ الاستغفار

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام، قَدْ اقْتَرَبَ شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ الَّذِي لَهُ أَهَمِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَيَاتِنَا. يَوْمُ السَّبْتِ الْمُقْبِلِ وَهِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (لَيْلَةُ الْبَرَاءَةِ) لَيْلَةُ الْخَامِسِ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ. كَلِمَةُ "الْبَرَاءَةِ" تَعْنِي التَّخَلُّصَ مِنْ الدُّيُونِ وَالذُّنُوبِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالْوُصُولَ إلَى رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ. سُمِّيَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ بِلَيْلَةِ الْبَرَاءَةِ لِأَنَّهَا بُشِّرَتْ بِكَثْرَةِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ فِيهَا. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهَمِّيَّةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ: « إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ »

لَا عُنْصُرِيَّةَ فِي دِينِنَا

الْعُنْصُرِيَّةُ هِيَ أَنْ يَحْكُمَ الْإِنْسَانُ عَلى الْآخَرِ بِشَكْلٍ مُسْبَقٍ دُونَ مَعْرِفَتِهِ، وَالْعَدَاوَةِ، وَالتَّفْرِقَةِ فِي مُعَامَلَاتِهِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْعِرْقِ، أَوْ اللَّوْنِ، أَوْ الدِّينِ. وَفِي عَصْرِنَا هَذَا نُشَاهِدُ نَتَائِجَ نَاشِئَةً عَنْ هَذَا الْخَطَأِ كَالْحَرْبِ وَالظُّلْمِ والدُّمُوعِ. مَلَايِينٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي مَنَاطِقَ مُخْتَلِفَةٍ يَتَعَرَّضُون لِلْإِبَادَة الْجَمَاعِيَّة، وَاَلَّذِين يَبْقُونَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ يَنْتَقِلُونَ مِنْ وَطَنِهِم، ويَكُونُونَ لَاجِئِينَ. إِنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ يَتَكَبَّرُ عَنْ الشَّخْصِ الْآخَرِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ عَلَامَةٌ تُشِيرُ إلَى مَرَضٍ نَفْسِيٍّ يَحْتَاج لِلْعِلَاج.

خُطْبَةُ الْجُمُعَة: التَّقْوَى

التَّقْوَى هُوَ الْتِزَامُ طَاعَةِ اللَّهِ، وَاجْتِنَابُ مَا حَرَّمَ، وَوِقَايَةُ النَّفْسِ مِنْ عِصْيَانِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَمَا يَمْنَعُ رِضَاه. التَّقْوَى هُوَ الْمِقْيَاسُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُكْسِبُنَا قِيمَةً عِنْدَ اللَّهِ. إِنَّ مِيزَانَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي دِينِنَا لَيْس الْمَنْصِبُ، وَلَا المَالُ، وَلَا الْعِرْقُ، وَلَا الْجِنْسُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تُشِيرُ إلَيْنَا بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ: (اِنَّ اَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ اَتْقٰيكُمْؕ اِنَّ اللّٰهَ عَلٖيمٌ خَبٖيرٌ) إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالإِيمَانِ، وَذُو قَلْبٍ سَلِيمٍ، وَعِنْدَه أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ، واللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَتْقِيَاءِ وَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا. وَأَعَدَّ لِلْمُتَّقِينَ الْجَنَّةَ الَّتِي فِيهَا نِعَمٌ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى.