خطبة

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ٢٣\٧\٢٠٢١ – اَلْاِسْتِعْدَادُ لِلزَّوَاج

22.07.2021
Tesbih Yeşil Siyah

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَمَا ذَكَّرَنَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِنِعَمِهِ عَلَيْنَا ذَكَرَ مِنْ بَيْنِهَا الزَّوَاجَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ اَزْوَاجاً﴾.[1] وَلاَ شَكَّ أَنَّ رَابِطَةَ الزَّوَاجِ الَّتِي تَنْشَأُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ هِيَ أَعْظَمُ رَابِطَةٍ بَيْنَ إِنْسَانٍ وَإِنْسَان. وَلَقَدْ أَكَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ؐ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الزَّوَاجِ حِينَ خَاطَبَ الشَّبَابَ قَائِلاً: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَاب، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّج، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْج».[2] فَالنِّكَاحُ إِذَنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِ وَسِيلَةٌ لِاكْتِمَالِ دِيْنِهِ عَنْ طَرِيقِ احْتِجَابِهِ بِالنِّكَاحِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ وَالْمَعَاصِي.

إِخْوَتِيَ الْأَعِزَّاء،

لاَ بُدَّ عَلَى الشَّابِّ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ النِّكَاحِ أَنْ يُرَاجِعَ نَفْسَهُ وَيُحَاسِبَهَا وَيَتَأَمَّلَ فِي حَالِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى هَذِهِ الْخُطْوَةِ الْمُهِمَّة. وَلاَ بُدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَه: “هَلْ أَنَا مُقَصِّرٌ فِي الْتِزَامِي بِالْإِسْلاَم؟”، “هَلْ أَتَمَتَّعُ بِالنُّضْجِ وَالْإِمْكَانِيَّةِ اللاَّزِمَةِ لِرِعَايَةِ أُسْرَة؟”، “هَلْ أَنَا عَلَى عِلْمٍ شَرْعِيٍّ كَافٍ بِحُقُوقِ الْأُسْرَةِ وَالزَّوْجَيْن؟”، وَمَا إلَى ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُرَاجِعَهَا لِيَكُونَ إِقْدَامُهُ عَلَى الزَّوَاجِ بِنَاءً عَلَى أَجْوِبَتِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَسْئِلَة. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْتِعْدَادُهُ هَذَا اِسْتِعْدَادًا كَامِلاً لِحَيَاةٍ زَوْجِيَّةٍ تَسْتَغْرِقُ الْعُمْرَ كُلَّهُ، وَلَيْسَ لِيَوْمِ عُرْسٍ يَدُومُ لِسُوَيْعَاتٍ ثُمَّ يَنْقَضِي.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

لَقَدْ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ؐ إِلَى أَرْبَعِ صِفَاتٍ يَنْبَغِي تَحَرِّيهَا فِي الْمَرْأَةِ فَقَالَ ؐ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَع: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا. فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاك».[3]

وَالرَّسُولُ ؐ وَإِنْ كَانَ خَاطَبَ بِكَلاَمِهِ هَذَا اَلشَّبَابَ فَقَط، إِلاَّ أَنَّ مَضْمُونَ الْكَلاَمِ فِي الْحَقِيقَةِ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْفَتَيَاتِ أَيْضًا. فَلاَ شَكَّ أَنَّ التَّدَيُّنَ وَالْخُلُقَ الْحَسَنَ هُمَا مِنْ أُولَى الصِّفَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا الشَّابُّ الْمُسْلِمُ وَالْفَتَاةُ الْمُسْلِمَة. وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ؐ فِي حَدِيثٍ آخَر: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوه، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَاد»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوه»، ثَلاَثَ مَرَّات.[4]
وَيَتَّضِحُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ عَلَى رَأْسِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي التَّحَرِّي عَنْهَا فِي الْأَزْوَاجِ قَبْلَ النِّكَاحِ صِفَتَيِ التَّدَيُّنِ وَالْخُلُقِ الْجَمِيل. وَيَقَعُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي هَذَا الشَّأْن.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَام،

تَأْكِيدُ الرَّسُولِ ؐ عَلَى صِفَةِ التَّدَيُّنِ وَالْخُلُقِ الْحَسَنِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ لاَ يَعْنِي أَلْبَتَّةَ التَّقْلِيلُ مِنْ شَأْنِ الصِّفَاتِ الْأُخْرَى. فَمِنَ الطَّبِيعِيِّ جِدًّا أَنْ يَرْغَبَ الشَّابُّ أَوِ الْفَتَاةُ فِي الزَّوَاجِ مِنْ شَخْصٍ ذِي مَالٍ وَنَسَبٍ وَجَمَال. وَلَكِنْ عَلَيْنَا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَلاَّ نَنْسَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَنْ تَدُومَ طِوَالَ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ وَأَنَّهَا آيِلَةٌ إِلَى الزَّوَالِ لاَ مَحَالَة. فَذُو الْجَمَالِ فِي شَبَابِهِ يَفْقِدُ جَمَالَهُ ذَلِكَ كُلَّمَا تَقَدَّمَ بِهِ العُمُرُ. وَذُو الْمَالِ مُعَرَّضٌ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ لِخَسَارَةِ مَالِهِ لِسَبَبٍ مَا. وَالْإِنْسَانُ بِطَبِيعَةِ الْحَالِ قَدْ يَبْتَعِدُ بَعْدَ زَوَاجِهِ عَنْ قَوْمِهِ وَأُسْرَتِهِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا. فَكُلُّ هَذِهِ الْمَزَايَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَدُومَ مَا دَامَ الْإِنْسَانُ حَيًّا. وَلَكِنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ وَالْحَيَاءَ وَتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْجَانِبِ الْآخَر، كُلَّهَا قِيَمٌ عَالِيَةٌ تُشَكِّلُ شَخْصِيَّةَ الْإِنْسَانِ وَلاَ تُفَارِقُه. لِهَذَا السَّبَبِ أَوْصَى الرَّسُولُ ؐ بِالزَّوَاجِ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَبِأَنْ يُقَدَّمَ هَؤُلاَءِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي النِّكَاح. وَلْنَعْلَمْ أَنَّ سِرَّ طُولِ عُمْرِ الزواج يَنْبَغِي الْبَحْثُ وَالتَّنْقِيبُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الصِّفَات.

وَيَنْبَغِي أَلاَّ يُشْتَرَطَ عَلَى الشَّابِّ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ وَظِيفَةِ الشَّابِّ أَنْ يُعِيلَ أُسْرَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ وِفْقَ مُتَوَسِّطِ مَعِيشَةِ النَّاسِ فِي الْمُجْتَمَع. فَالرَّجُلُ هُوَ الْمُكَلَّفُ فِي الْإِسْلاَمِ بِإِعَالَةِ الْأُسْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْحَلاَل.

وَفِي خِتَامِ خُطْبَتِي أَوَدُّ أَنْ أُذَكِّرَكُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه﴾.[5] وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ؐ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَاب، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْج، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْم، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».[6]

أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَرْزُقَ إِخْوَانَنَا الشَّبَابَ بِزَوْجَاتٍ صَالَحَة، وَأَنْ يُبَارِكَ فِي زَوَاجِ إِخْوَانِنَا الْمُتَزَوِّجِين، آمِين.

[1] سورة النبأ: 8
[2] صحيح مسلم، كتاب النكاح، 1
[3] صحيح البخاري، كتاب النكاح، 15; صحيح مسلم، كتاب الرضاع، 53
[4] سنن الترمذي، كتاب النكاح، 3
[5] سورة النور: 33
[6] صحيح مسلم، كتاب النكاح، 1

خُطْبَةُ الْجُمُعَة ٢٣\٧\٢٠٢١ – اَلْاِسْتِعْدَادُ لِلزَّوَاج